والنازلون في ميدان «المنهج» وميدان «ما قبل المنهج» من الكُتَّاب والعلماء، في كل لغة، وفي كل أمَّة، وفي كل مِلَّةٍ، وفي كل ثقافة، لهم شروط مُحْكَمَةٌ لا يمكن إغفالها البتة، فهي أركان لا يقوم بناءٌ إلا عليها، ولا يمكن أن يُسَمَّى «كاتبًا» أو «عالمًا» أو «باحثًا» إلا من حاز أكبر قدر من هذه الشروط ضربة لازب، ولم توجد على الأرض أمَّة واحدة سمحت لأحدٍ أن ينزل ميدان «ما قبل المنهج» وميدان «المنهج» في أي علم كان أفنَّ، إلا وهو مُطيقٌ للنزول فيه بحقه، فإذا اجترأ مجترئ عارٍ من الشروط وفعل، نُفِيَ وطُرد طردًا، وأبَوْا من أن يعدوه في الكُتَّاب كاتبًا، أو في العلماء عالمًا، أو في الباحثين باحثًا، وألقي عمله كله في سلة المهملات، كما يقولون. وجِماعُ الشروط كلها في هذا الشأن منُوطٌ بثلاثة أمور: لغته التي نشأ فيها صغيرًا، وثقافة أمَّته التي ينتمي إليها وارتضع لِبَانها يافعًا، وأهوائه التي يملك ضبطها أو لا يملكه بعد أن استوى رجلًا مُبِينًا عن نفسه، (انظر ما سلف ص: 27) .
أما «اللغة» التي نشأ فيها صغيرًا، فشرط نزوله الميدان: أنْ يكون محيطًا بأسرارها الظاهرة والباطنة، وبين تمام الإحاطة بها وقصور هذه الإحاطة، يرتفع قدرُ ما يكتبه، أو ينزل إلى حضيض الإسقاط والإهمال، مع مخاوف ذكرتها لك آنفًا، (ما سلف ص: 27) .
وأما «الثقافة» ، وهي سرٌّ من الأسرار الملثَّمة، وحقائقها عميقة بعيدة الغوْرِ مُتشَعِّبَةٌ، وقوامها «الإيمان» بها عن طريق القلب والعقل - ثم «العمل» بما تقتضيه حتى تذوب في بُنْيان الإنسان وتجري منه مجرى الدَّم لا يكاد يحسُّ به - ثم «الانتماء» إليها انتماء يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار، وبين تمام الإدراك لأسرار «الثقافة» وقصور هذا الإدراك، يرتفع أيضًا قدر ما يكتبه، أو ينزل إلى حضيض الإهمال، (ما سلف ص: 28) .