فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 186

1 -اعلم أني قضيت عشر سنوات من شبابي، في حيرة زائغة، وضلالة مضنية، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسي الهلاك، وأن أخسر دنياي وآخرتي، محتقبا إثما يقذف بي في عذاب الله بما جنيت. فكان كل همي يومئذ أن ألتمس بصيصا أهتدي به إلى مخرج ينجيني من قبر هذه الظلمات المطبقة على من كل جانب.

فمنذ كنت في السابعة عشرة من عمري سنة 1926، إلى أن بلغت السابعة والعشرين سنة 1936، كنت منغمسا في غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا أنها حياة فاسدة من كل وجه. (1)

فلم أجد لنفسي خلاصا إلا أن أرفض متخوفا حذرا، شيئا فشيئا، أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التي كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف، يهدم السدود، ويقوض كل قائم في نفسي وفى فطرتى.

ويومئذ طويت كل نفسي على عزيمة حذاء ماضية: أن أبدأ، وحيدا منفردا، رحلة طويلة جدا، وبعيدة جدا، وشاقة جدا، ومثيرة جدا. بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يدي منه يومئذ على الأصح، قراءة متأنية طويلة الأناة عند كل لفظ ومعنى، كأني أقلبهما بعقلي، وأروزهما (أي: أزنهما مختبرا) بقلبي، وأجسهما جسا ببصري وببصيرتي، وكأني أريد أن أتحسسهما بيدي، وأستنشي (أى: أشم) ما يفوح منهما بأنفي، وأسمع دبيب الحياة الخفي فيهما بأذني = ثم أتذوقهما تذوقا بعقلي وقلبي وبصيرتي وأناملي وأنفى وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئا قد أخفاه الشاعر الماكر بفنه وبراعته، وأتدسس إلى دفين قد سقط من الشاعر عفوا أو سهوا تحت نظم كلماته ومعانيه، دون قصد منه أو تعمد أو إرادة. (2)

(1) انظر مقدمة كتابي"أباطيل وأسمار"ص: 10، 11، ومواضع أخر مما كتبت.

(2) قد حسمت قضية"التذوق"، ولم سميت منهجي منهج"التذوق"، في كلمتين نشرتهما في مجلة =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت