الإسلام وثقافته وحضارته طواعية، ثم صاروا، مع الأسف، من بُناة مجده على مدى اثني عشر قرنًا على الأقل. واعلم أني على عمد هنا اتناسى عمل «الاستشراق» في السطو على الكنوز المخبوءة كانت في علو دار الإسلام، ثم ما بذلوه في نقله سرًا إلى علمائهم في زمن النأنأة وما بعدها، ليبنوا عليه حضارتهم العظيمة القائمة اليوم بيننا، وكيف أغلقوا الأبواب على ذكر ما سطوا عليه بالضبة والمفتاح، حتى لا يعلم خبيئته أحد، حتى ولو كان أوربيًا قحًا - أو أتناسى على عمد مني أيضًا حديث السفاهة والبذاءة التي جرت على ألسنة دهاقينهم من المطاعن في القرآن العظيم، وفي رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصحابته، إمدادًا لهيئات «التبشير» ، للقيام بعملها النبيل في دار الإسلام وفي توابعه التي كانت محجوبة عنهم، ثم انفسح لها الطريق مع الزحف الأكبر.
وبيَّن لك الآن بلا خفاء أنَّ كتب «الاستشراق» ومقالاته ودراساته كلها، مكتوبة أصلًا للمثقف الأوربي وحده - وأنها كتبت له لهدف معين، في زمان معين، وبأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوربي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زحف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب - وأن تكون له نظرة ثابتة هو مقتنع كل الاقتناع بصحتها، ينظر بها إلى صورة واضحة المعالم لهذا العالم العربي الإسلامي وثقافته وحضارتها وأهله - وأن يكون قادرًا أيضًا على خوض ما يخوض فيه من الحديث مع من سوف يلاقيهم أو يعاشرهم من المسلمين، وفي عقله وفي قلبه وفي لسانة وفي يقينه وعلى مد يده، معلومات وافرة يثق بها ويطمئن إليها ويجادل عليها، دون أن تضعف له حمية، أو تلين له قناة، أو يتردَّد في المنافحة عنها أو يتلجلج، أيًا كان الموضوع الذي تدفعه المفاوضة إلى الخوض فيه.