وأما «الأهواء» فهي الداء المُبِيرُ، والشرُّ المستطيرُ، والفساد الأكبر، إنْ هو ألمَّ بأيِّ عمل إلمامة خفيَّة الدبيب بَلْهَ الوَطْءَ المتثاقل، أحاله إلى عمل مُسْتَقْذَرٍ منبوذٍ كريهٍ، حتى ولو جاءك هذا العمل في أحسن ثيابه وحُليِّهِ وعطوره وأتمِّها زينة، من دقة واستيعاب وتمحيص ومهارة وحذق وذكاء، ثم يزداد بشاعةً إذا كان الكاتب مُلِمًّا تمام الإلمام بأسرار «اللغة» وأسرار «الثقافة» لأنه حينئذٍ منافقٌ خبيثُ النفاق، وخائنٌ لئيمٌ الخيانة (ما سلف ص: 28، 29) .
وهذه شروط لا يختلف في شأنها أحدٌ قطُّ في كل ثقافة وفي كل أمَّةٍ. فإذا كان لا يُعَدُّ كاتبًا أو باحثًا أو عالمًا من أبناء اللغة وأبناء الثقافة أنفسهم، إلاَّ من اجتمعت له هذه الشروط، فإذا عَرِيَ منها لم يكن أهلًا للنزول في ميدان «المنهج» ، فإذا فعل فهو متكلِّمٌ لا أكثر، ثم لا يُلْتفت إلى قوله ولا يُعْتَدُّ به عند أهل البحث والعلم والكتابة - إذا كان هذا هكذا، فينبغي قبل كل شيء، أنْ نعرف من هو «المستشرق» الذي ينزل هذا الميدان؟ وهل يمكن أن يكون داخلًا تحت هذه الشروط المحكمة المُتَّفق عليها في كل لغة وثقافة؟
و «المستشرق» فتى أعجميٌّ، ناشئ في لسان أمَّته وتعليم بلاده، ومغروس في آدابها وثقافتها، (ألماني، أو إنجليزي، أو فرنسي) ، حتى استوى رجلًا في العشرين من عُمُره أو الخامسة والعشرين، فهو قادرٌ أو مُفترضٌ أنه قادرٌ تمام القُدرة على التفكير والنظر، ومُؤهَّلٌ أو مُفْتَرَضٌ أيضًا أنه مُؤهَّلٌ أن ينزل في ثقافته ميدان «المنهج» و «ما قبل المنهج» بقدم ثابتة. نعم، هذا ممكن أن يكون كذلك - ولكن هذا الفتى يتحوَّلُ فجْأةً عن سلوك هذه الطريق ليبدأ في تعلُّمِ لغةٍ أخرى، (هي العربية هنا) ، مفارقة كل المفارقة للسان الذي نشأ فيه صغيرًا، ولثقافتها التي ارتضع لِبَانَهَا يافعًا، «يدْخلُ قِسْمَ اللغات الشرقية» في جامعة من جامعات الأعاجم، فيبتدئ تعلُّم ألف باء تاء ثاء، أو أبجد