هوّز، في العربية. ويتلقَّى العربيةَ نحوَها وصَرْفَها وبلاغتَها وشِعْرَها وسائرَ آدابها وتواريخها، عن أعجمّىِ مثله، وبلسانٍ غير عربيّ، ثم يستمِعُ إلى مُحَاضِرٍ في آداب العربِ أو أشعارها أو تاريخها أو دينها أو سياستها بلسانٍ غير عرّبي، ويقضِى في ذلك بضع سنواتٍ قلائل، ثم يتخَرَّج لنا"مستشرقًا"يُفْتِى في اللسان العربىّ، والتاريخ العربىّ، والدين العربى"!! (1) عَجَب، وفوق العَجَب!!"
كَيفَ يجوزُ في عَقْل عاقل أن تكون بضع سنواتٍ قلائلَ كافيةً لطالب غريب عن"اللُغة"، وهذه حالُه، أن يصْبح محيطًا بأسرار اللغة وأساليبها الظاهرةِ والباطنةِ، وبعجائب تصاريفها التي تجمّعتْ وتداخلتْ على مرِّ القرون البعيدة في آدابها، (انظر ما سلف ص 27) = وأن يصْبح بين عَشيّةٍ وضُحَاها مؤهَّلًا للنزول في ميدان"المنهج"و"ما قبل النمهج"؟ كيفَ؟ مع أنّ هذا الشرط صعب عسير على الكثرة الكاثرة من أبناءِ هده اللغة أنفُسهم، ولا يبلغُ هذا المبلغَ إلا القليلُ منهم؟ كيف يجوز هذا في عقل عاقل؟ هذا، مع أنه أيضًا تعلَّمها تلقِّيًا من أعجمّي مثله، ولم يخالط أهلَها مخالطةً طويلةً متماديةً تتيح له التلقِّىَ عنهم تلقِّيًا يبصِّرهُ ببعض هذه الأسرارِ.
غَاية ما يمكنُ أنْ يحوزَهُ"مستشرق"في عشرين أو ثلاثين سنة، وهو مقيم بين أهل لسانه الذى يَقرَع سمعَه بالليل والنهارْ أن يكون عارفاٍ معرفةً مَّا بهذه"اللغة"، وأحسنُ أحواله عندئذٍ أن يكون في منزلة طالب عربيّ في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقلّ منه على الأرجح، أىْ هو في طبقة العوَامِّ الذين لا يَعْتدّ بأقوالهم أحدٌ في ميدان"المنهج"و"ما قبل المنهج". أليس
(1) ما بين القوسين منقول من فصل كتبته في كتابي (طبقات فحول الشعراء) (ص: 115 - 127) وفيه تفصيل وبيان وأدلة على فساد عمل (الاستشراق) وعلى التهويل في شأن علم (المستشرقين) بالعربية فاقرأه هناك.