فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 186

كذلك؟ هذا على أن"اللغة"نفسَها هى وِعاء"الثقافة"، فهما متداخلان، فمحال أن يكونَ محيطًا بأسرارها، دون أن يكون مُحيطًا أيضًا بثقافتها إحاطةً تؤهِّلًه للتمكُن من"اللغة"، فمن أين يكون"المستشرق"مؤهَلًا لنزول هذا الميدان؟

• وإن كان أمر"اللغة"شديدًا لا يسمح بدخول"المستشرق"تحت هذا الشرط اللازم للقِلَّة التي تنزل ميدان"المنهج"و " ما قبل المنهج)، فإن شرط"الثقافة"أشدُّ وأعتى، لأنّ " الثقافةَ"، كما قلتُ آنفًا:"سِر من الأسرارِ الملثمَة في كًلِّ أمّة من الأمم وفى كُلّ جِيل مى البشر، وهى في أصلها الراسخ البعيدِ الغَوْرِ، معارفُ كثيرة لا تُحْصَى، متنوِّعة أبلغَ التنوّع لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كلّ مجتمع إنسانيّ، للِإيمان بها أولًا من طريق العقلِ والقلبِ- ثم للعمل بها حتى تذوبَ في بُنْيان الإنسان وتجرى منه مَجْرى الدم لايكاد يحسّ به- ثم للانتماء إليها بعقله وقلبه انتماءً يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار"، (ص 28) وهذه القيود الثلاثة،"الإيمان"و"العمل"و"الانتماءِ"، هى أعمدةُ"الثَّقافة"وأركانها التي لا يكون لها وجود ظاهر محقَّق إلاّ بها، وإلاّ انتقض بُنيان"

"الثقافة"، وصارت مجرَّدَ معلوماتٍ ومعارفَ وأقوالٍ مطروحةٍ في الطريق، متفككةٍ لا يجمع بينها جامع، ولا يقوم لها تماسك ولا ترابط ولا تشابك.

• وبديهىّ، بل هو فَوْقَ البديهيّ، أنّ شرط"الثقافة"بقيوده الثلاثهَ، ممتنع على"المستشرق"كلَّ الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماءِ والنار في إناءٍ واحد ٍ، كما يقول أبو الحسن التِّهامىُّ الشاعرُ:

وَمُكَلِّفُ الأَيَّْامِ ضِدَ طِبَاعِهَا ... مُتَطَلِّبٌ في المَاءِ جُذْوَةَ نَارِ

وذلك لأن"الثقافة"و"اللُّغَة"متداخلتان تداخلًا لا انفكاكَ له، ويترافَدانِ ويتلاقَحانِ، بأسلوب خفيّ غامض في المداخل والمخارجِ والمسارب، ويمتزجان امتزاجًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت