لا يستطاع ولا تكون له ثَمَرةٌ, إلاّ بالأناةِ والصَّبْرِ, وإلاّ باستقصاء الجُهْد في التثبُّت من معاني ألفاظ اللغة, ومن مَجَاري دلالاتها الظاهرةِ والخفيّة, بلا استكراهٍ ولا عجلةٍ, وبلا ذهابٍ مع الخاطر الأوّل, وبلا توَهُّمٍ مُسْتَبِدٍّ تُخضِعُ له نَظْمَ الكلام ولَفْظَه.
7 -وأمرٌ كريهٌ, أيها القارئ, وبغيضٌ إليَّ كُلَّ البغْضِ, أنْ أحدثّك عن أعمالي, ولكن لا بُدَّ مما ليس منْه بُدٌّ, لكي تكون على بيِّتةٍ.
قد مضى الشبابُ وطُوِي بِساطُه, ومضت تلك الأيامُ الغوابر المضيئةُ في حياتي, حتى كانت سنة 1935 , وأنا في السادسة والعشرين من عُمُري, حين استوى لِيَ المنهجُ واستبانَ. فكان أوَّلَ عملٍ طبَّقْتُ فيه منهجي في"تذوُّق الكلام", شعرًا ونثرًا , وأخبارا تُرْوى, وعلمًا يُكْتب أو يسْتخرج , هو كتابي"المتنبيّ", الذي تولت نشره مجلة"المقتطف"في عدد يناير سنة 1936.
كان كتابي خاليًا من كلِّ إبانةٍ عن هذا المنهج أو إشارةٍ إليه. فكانَ صدورُه يومئذ مفاجأةً وجَّهتْ أنظار الأدباء جميعًا في كلِّ بلدٍ ينطقُ اللسان العربيّ, إلى اسمٍ مجهولٍ وكاتبٍ مغمورٍ, وأصبحتُ في خَفْقةٍ كخَفْقةِ البرق اسمًا مشهورًا عندهم وكاتبًا مذكورًا.
وأنتَ لم تشهد تلك الأيَّام كيف كانت, ولا تجدُ اليومَ من يحدّثُك عنها غَيري. وكلُّ ما بقي منها أنَّك تعرفني اليومَ معرفةً مبهمةً بلا دليل يرشدُك, إلاّ هذا الصيتُ الكاذبُ الذي لا أظنُّ أنَّ له عندك حقيقةٌ تعرِف بها صدقَهُ, والذي أَكْسَبَتْنيه تلك المفاجأة المثيرةُ المتقادمة الموغلةُ في البعد عنك.
كان السببُ في هذه المفاجأةِ المثيرة, أن جمهرة الأدباءِ والقارئين يومئذٍ, وقعُوا على