كتابٍ فيه ترجمةٌ للمتنبيّ, مكتوبٍ على مَنْهجٍ وجدُوهُ فريدًا متميِّزًا, مباينًا مدَبُّه كلَّ المباينةِ, لجميع المناهج الأدبية المختلفة المألوفة, والتي كانت تغمر ساحة الأدب, ولا تزال تغمرها مع الأسف. وهذا أمرٌ تستطيع أن تستوثقَ من صِحَّته بالنظر في كلِّ ما كتَب الكاتبون عن الشِّعر والشعراء وغير الشعراء قبلَ هذا الكتابِ. كانُوا يُحِسُّون إحساسًا خفيا بهذه المباينة الظاهرة , وقد عبّر عن هذا الإحساس الخفيّ أقراني وأساتذتي وشيوخي الكبار , معارضين أو مثنين, كلٌّ عبّر بطريقته وأسلوبه عن هذا الإحساس الخفيّ, بكلام مكتوب , أو حديث جرى بيني وبينهم. (1)
ولأني أصدرت هذا الكتاب خلوا في مقدّمة تتحدّث عن منهجي الذي بنيت عليه ترجمتي للمتنبّي , فقد كان ما لا بدَّ أن يكون. فالحياة الأدبية الفاسدة التي سنّ اللناس سننها شيوخنا الأدباء الكبار, والتي نعيش فيها إلى هذا اليوم = وآفات أخرى كانوا يتعايشون بها , وبثّوها في تلاميذهم وأشياعهم = كلّ ذلك لم يكن ليتيح لأحدٍ , إلاّ من عصم الله , أن يجد من وقته ساعات للتّأمّل والأناة والصبر , للبحث عن هذا المنهج الغريب غير المألوف الذي وجده أمَامه مطبّقا في كتاب كامل, وأحسّ به كلّ منهم إحساسًا خفيُّا دعاه إلى المعارضة أو الثناء. وهذا خذلان كبير, غفر الله لنا ولهم , وتجاوز عن سيّئاتنا وسيّئاتهم.
كان ما لا بدّ أن يكون , فبقي منهجي منهجا غير بيّن, بل صار منهجا مغمورا تطمس معالمه المناهج الفاشية الغالبة على هذه الحياة الأدبية الفاسدة. ثم جاء من بعد
(1) ستجد طرفًا من ذلك في"قصة هذا الكتاب", وما كتبه الرافعي ومصطفى عبد الرزاق, وأخوه علي عبد الرزاق , ومحمد هاشم عطية, وعبد الوهاب عزام, وفؤاد صروف, وقريني وأخي سعيد الأفغاني, وما فعله العقاد, وما قاله طه حسين (انظر باب"الغمرات ثم ينجلين"ص"75 - 79 = وما كان في أوّل لقاء لي بالدكتور طه ص 99 - 104 , 523 , وأما سعيد الأفغاني فكلامه وكلامي مثبت في ص: 533 - 574 , وكلمة الرافعي مثبتة في ص: 577 - 579, وفؤاد صروف في تقديمه الكتاب ص 129 - 134) ."