بعد جهادٍ طويل مريرٍ في"القرون الحديثة"كما يسمّونها. ومع تقوّض هذه الحواجز، ظَهَرت براعيمُ الثِّمار الشهية، وبظهورها غصّةً ناضرةً، زادت الحماسة ُ، وتعالت الهِمَم، ومُهَدَ الطريقُ الوَعْر، ودَبَّت النشْوةً في جماهيرِ المجاهِدِين، وتحدَّدت الأهداف والوسائل، وتبين الطريقُ اللاحِب. ومن يومئذٍ بدأ الميزان يَشُول، فارتفعتْ إحدى الكِفتيْن شَيئًا مَا، وانخفضتِ الأخرى شيئًا مَا. ارتفعت كِفَّة أوربَّة بهذه اليقظةِ الهائلة الشاملة التي أحدثتها الهزائم القديمة والحديثة، وانحفضت كِفة المسلمين بهذه الغفلةِ الهائلة الشاملة التي أحدثها الغرورُ بالنصر القديم وبالنصر الحديث وفتح القسطنطينية. وكذلك شال الميزان، وكانت فرحة محسوسة في جانب، وكانت غفلة لا تُحَسّ في جانب. تاريخ طويل مضَى وغاب، وتاريخ طويل سوف يأتي، ثم لا يعلم إلّا الله متى يكون غيابه.
16 -والآن تستطيعُ أن تتبين أربعَ مراحلَ واضحةً للصراع الذى دار بين المسيحية الشمالية والإسلامْ
-المرحلةُ الأولى: صراعُ الغَضَب لهزيمة المسيحية في أرض الشام ودخولِ أهلها في الإسلام، فبالغضب أمَّلت اختراق دارِ الإسلامِ لتَسْترِدَّ ما ضاع، تدفَعُها بغضاءُ حَيَّة متسامحة، لم تمنع ملكًا ولا أميرًا ولا راهبًا أن يمدَّ المسلمين بما يطلبونَة من كتب"علوم الأوائل"، (الإغريق) ، التي كانت تحت يد المسيحية يعلوها التراب. وظلَّ الصراع قائمًا لم يفتر، أكثر من أربعة قرونٍ.
-المرحلة الثانية: صراع الغضب المتفجِّر المتدفّق من قلب أوربة، مشحونًا ببغضاء جاهلةٍ عاتية عنيفةٍ مكتسحةٍ مدمِّرةٍ سفَّاحةٍ للدماء، سَفَحت أوّل مَا سفَحَت دماءَ أهل دينها من رعايا البيزنطية، جاءت تريدُ هى الأخْرَى، اختراقَ دار الإسلام،