وذلك عهد الحروب الصليبية الذى بَقى في الشام قَرنين، ثم ارتدً خائبًا إلى مواطنه في قلب أوربّة.
المرحلة الثالة: صِراع الغضب المكظوم الدى أورثه اندحار الكتائب الصليبيّة، من تحتِه بغضاء متوهِّجة عنيفة، ولكنَّها متردِّدَة يكبحها اليأس من اختراق دار الإسلام مرة ثالثة بالسلاح وبالحرب، فارتدعَتْ لكى تبدأ في إصلاح خَلَل الحياة المسيحية، بالاتَكاءِ الشديد الكامل على علوم دار الإسلام، ولكى تستعدَّ لإخراج المسيحيّة من مأزِقٍ ضنْكٍ مُوئس، وظلت على ذلك قرنًا ونصف قرنٍ.
وهذه المراحل الثلاث، كانت ترسًف في أغلالِ"القرون الوسطى"، أغلالِ الجَهْلِ والضيَّاع. ولم تصنع هذه المراحل شيئًا ذا بالٍ.
.المرحلة الرابعة: صراع الغضب المشتعل بعد فتح القسطنطينية يزيده اشتعالًا وتوهُّجا وقود من لَهيب البغضَاء ِوالحِقْد الغائر في العِظام على"التّرك"، (أى المسلمين) ، وهُم شبح مُخِيف مندفع في قَلْبِ أوربّة، يُلْقِي ظِلَّه على كُلِّ شىء، ويفزِّع كلَّ كائن حيّ أو غيرَ حَيّ بالليل وبالنَّهارِ. وإذا كانت المراحلُ الثلاثُ الأولَى لم تصنع للمسيحيّة شيئًا ذا بالٍ، فصراع الغضب المشتعل بلهيبِ البغضاء والحقد هو وحدَهُ الذي صنع لأوربة كل شيء إلى يومنا هذا. صَنع كُلَّ شىءٍ، لأنه هو الذى أدَّى إلى يَقَظةٍ شاملة قامت على الإصرارِ، وعلى المجاهدة المثَابِرَةِ على تحصيل العلم وعلى إصلاح خلَل الحياة المسيحية، ولكنْ لم يكن لها يومئذ من سبيلِ ولا مدَدٍ، إلّا المدَدُ الكائن في دار الإسلام، منَ العِلْم الحىّ عند علماء المسلمين، أو العلِم المسطَّر في كتُب أهلِ الإسلام. فلم يتردّدُوا، وبالجهاد الخارق، وبالحماسة المتوقّدة، وبالصبْر الطويل، انفكّتْ أغلالُ"القرون الوسطى"بغتَةً عن قَلْب أوربّة، وانبعثت نهضة العصور الحديثة"مستمرَّةً إلى هذا اليوم."