فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 186

6 -أظنني قد أثقلت عليك, أيها القارىء لكتابي هذا:"المتنبيّ", وأبْعدتُ بك الرحلة, ولكني لم أبْعُد بك, في الحقيقة, لأنِّي أردتُ أن تقفَ بالدليلِ الواضح, على أن المنهج الذي استطعتُ أن أمهِّده لفكري, كان نابعًا من صميم المَنَاهج الخفيّة التي سنَّ لنا آباؤنا وأسلافُنا طُرُقَها = وأن كل جهدي فيه, هو معاناةٌ كانتْ منِّي لتبيُّن دُرُوبها ومسالكها, ثم إزالةُ الغبارِ الذي طَمَس معالمَها, ثم أن أجمَعَ ما تشتَّت أو تفرَّق من أساليبها, معتمدًا على دلالاتِ اللسان العربيّ, وهذا يكادُ يكون أمرًا مسلَّمًا ببديهة النظر في شأن كل لغة وتُرَاثها. والذي لا يملكُ القدرة على استيعابِ هذه الدَّلالات وعلى استشفافِ خفايَاها, غيرُ قادرٍ البتَّة على أن ينشىء منهجا أدبيًّأ لدراسةِ إرْثِ هذه اللغةِ, في أيّ فرعٍ من فروعِ هذا الإرثِ, إلا أن يكون الأمر كلُّه تبجُّحًا وغطْرسةً وزهوًا وغرورًا وتغريرًا, كما هو الحال في حياتنا الأدبية هذه الفاسدَةِ.

هذا هو جوهرُ حديثي عن منهجي في"تذوق الكلام"كلِّه شعرا ونثْرًا, وأخبارًا تُرْوَى, وعلما يُكتبُ أو يستخرجُ, لأنَّ ذلك كلَّه إنَّما هو إبانة عمَّا تموجُ به النفوسُ, وتنْبِضُ به العقول. ففي نظم كلِّ كلام وفي ألفاظه, ولا بُدَّ, أثرٌ ظاهرٌ أو وَسْمٌ خفيٌّ من نفس قائله وما تنْطوى عليه من دَفين العواطفِ والنوازعِ والأهواء من خيرٍ وشرٍّ أو صدق وكذب = ومن عقْل قائله, وما يكمُن فيه من جَنينِ الفِكْر, (أى مستوره) , من نظرٍ دقيقٍ, ومعانٍ جليَّةٍ أو خفيَّةٍ, وبراعة صادقةٍ , ومهارةٍ مُمَوَّهةٍ, ومقاصدَ مَرْضيّةٍ أو مُسْتكرهةٍ. فمنهجي في"تذوُّق الكلام", معنِيٌّ كل العناية باستنباط هذه الدفائن, وباستدراجها من مكامنها, ومعالجةِ نظْم الكلامِ ولفظه معالجةً تُتيح لي أن أنْفُضَ الظَّلامَ عن مصُونها, وأُمِيط اللثامَ عن أخفَى أَسْرارِها وأغْمَضِ سرائرها. وهذا أمرٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت