فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 186

منها. فهي جملةٌ محكمة شديدةُ الإحكام, عجز النحاة من بعده أن يلمُّوا بها في حدودهم التي كتبوها عن حدّ الفعل. فأيَّ رجُل مبِينٍ كان سيبويه!

· وأقول أنا: كان سيبويه رحمه الله, حين كتب هذه العبارة وأمثالَها في كتابه, في قمَّة الصفاءِ, وفي ذِرْوَة اليَقَظَة, تَسْمُو به أنبلُ عاطفةٍ من الوفاءِ لشيخه الخليل بن أحمد الفراهيدي, (المتوفى سنة 175, أو قبلها) والذي مات ولم يجْمع علمَه المستفيضَ في كتاب جامع. فبعد موت الخليل = كنا حدَّثَنَا نصرُ بن عليّ بن نصر بن عليّ الجَهضَميُّ روايةً عن أبيه = أن سيبويه لقى أبَاه عليَّ بن نصر بن عليّ الجهْضَميّ (المتوفى سنة 187) , وهو قرينُ سيبويه في الأخْذ عن الخليل والاختصاص به, فقال له سيبويه:"يا عليُّ, تعال نتعاون على إحياء علم الخليل"= فتقاعس عليٌّ, (أي تأخَّرَ ولم يتقدَّم) , وخذَل سيبويه فيما أرادهُ، فحَميَ قلبُ سيبويه, وعزم على أن ينفردَ بإحياء علم الخليلِ, فانبَرَى بكُلّ ما في قلبه من الدِّيانَةِ, والأمانةِ والحبِّ والإخلاص, مُستقِلاًّ وحدَهُ بالعِبْءِ, وحلَّق وحدَه كالعُقاب في جوِّ العربية, يجلِّي بعينيه النافذتين كلَّ علم الخليل وغير الخليلِ, وكلَّ أساليب العربية, وينقضُّ على المعاني بضبطٍ وإحكامٍ كإحكام العُقَاب الصَّيُود, بكُلّ ما في قلبه من القُدْرة على الإبانة والقُدْرة على الاستبانة.

وهذا ظاهرٌ جليٌّ لمن يقرأ كتابَ سيبويه بتذوُّقٍ وتأمُّلٍ وأناةٍ, ولكن أين هذا القارىء! فمن أجل ذلك كان كتاب سيبويه بحرًا زخَّارًا, لم يبلُغ مبلغَهُ في الجودةِ والبيان عن معاني النحو نحويٌّ واحدٌ ممَّن جاء بعدهُ وعبَّ من عُبَابه. وحُقَّ لعبد القاهر الإمامِ أن يجرىَ عليه مذهبه في قضية"النظم واللفظ", وأن يختارَ من عباراته عبارةً مبينةً جامعةً, ويجعلها قرينةً لأشرف العبارات المبينة في شِعْر الشعراء, وفي كلام البُلَغاء, كعليّ رضي الله عنه, والحسن البصريّ رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت