والحبشية. ثم كان من تصاريف الأقدار أن يكون علماء هذه الأمَّة العربية من غير أبناء العرب، (الموالي) ، وأنَّ هؤلاء هم الذين جعلوا لهذا الحضارة الإسلامية كلها معنى. هذا هو جوهر الصورة التي بثَّها المستشرقون في كل كتبهم عن دين الإسلام، وعن علوم أهل الإسلام وفنونهم وآثارهم وحضارتهم، وأنَّ هذه الحضارة إنما هي إحدى حضارات «القرون الوسطى» المظلمة التي كان العالم يومئذ غارقا فيها - يعنون عالمهم هم - يجري عليها حكم قرونهم الوسطى! بثُّوا تلك الصورة في كل كتبهم بمهارة وحذق وخبث معرق، وبأسلوب يقنع القارئ الأروبي المثقف الآن كل الإقناع، وتنحطُّ في نظره حضارة الإسلام وثقافته انحطاط «القرون الوسطى» ، ويزداد بذلك زهوًا بأن أسلافه من اليونان والآريين كانوا هم ركائز هذه الحضارة المزيَّفة الملفَّقة دينًا ولغة وعلمًا وثقافة وأدبا وشعرًا، ويزداد بذلك الأوربي، أيًا كان، غطرسة وتعاليًا وجبرية، ولا يرى في الدنيا شيئًا له قيمة، إلا وهو مستمد من أسلافه اليونان والآريين والهمج الهامج!
ومن خلال الصراحة العارية التي طرحت كل حجاب، أو الصراحة المتحجبة بالبراءة وخلوص النية وحب العلم، أو بالصراحة الحيية التي أمالها الخفر، (شدة الحياء) ، إلى التبرُّج بحب الإنصاف، استطاع «الاستشراق» أن يجعل هذه الصورة حية متحركة في جميع كتبه ومقالاته ودراساته ومباحثه على اختلافها، حتى الدراسات التي تستعصي على قبول هذه الصورة واضحة لم تخل من غمز خبيء ولمز حفي يستدعي حضور هذه الصورة بطريقة ما. وكذلك نجح «الاستشراق» في تحقيق هدفه كل النجاح، واستطاع أن يدرج الإسلام وشرائعه وثقافته وحضارته في مستنقع «القرون الوسطى» الذي طمرته «النهضة الحديثة» ووطئه «عصر الإحياء والتنوير» بأقدامه وطأة المتثاقل. وبذلك عصم العقل الأوربي المثقف من أن يزلَّ زلة، فيرى في دين الإسلام أو في ثقافته وحضارته، ما يوجب انبهاره كما انبهر أسلاف له من قبل تساقطوا في