فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 186

رحلتي هذه إلى الأقدم فالأقدم. كل إرث آبائي وأجدادي، كنت أقرؤه على أنه إبانة منهم عن خبايا أنفسهم بلغتهم، على اختلاف أنظارهم وأفكارهم ومناهجهم.

وشيئا فشيئا انفتح لي الباب يومئذ على مصراعيه. فرأيت عجبا من العجب، وعثرت يومئذ على فيض غزير من مساجلات صامتة خفية كالهمس، ومساجلات ناطقة جهيرة الصوت، غير أن جميعها إبانة صادقة عن هذه الأنفس والعقول. أمدتني هذه التجربة الجديدة بخبرات جمة متباينة متشعبة، أتاحت لي أن أجعل منهجي في (تذوق الكلام) منهجا جامعا شاملا متشعب الأنحاء والأطراف، يزداد مع تطاول الأيام رحابة وسعة، وحدة ومضاء، ونفاذا ودقة، وشمولا واستقصاء.

4 -ولا أزعم، معاذ الله، أنى ابتدعت هذا المنهج ابتداعا بلا سابقة ولا تمهيد، فهذا خطل وتبجح. بل كل ما أزعمه أنى بالجهد والتعب، وبمعاناة التفتيش في هذا الركام من الكلام، جمعت شتات هذا المنهج في قلبي، وأصلت لنفسي أصوله، مع طول التنقيب عنه في مطاوي العبارات التي سبق بها الأئمة الأعلام من أصحاب هذه اللغة، وهذا العلم، في مباحثهم ومساجلاتهم ومثاقفاتهم وما يتضمنه كلامهم من النقد والاحتجاج للرأي. وكل ما وقفت عليه من ذلك، كان خفيا فاستشففته، ودفينا فاستنبطته، ومشتتا فجمعته، ومفككا فلاءمت بين أوصاله، حتى استطعت بعد لأي أن أمهد لفكري طريقا لاحبا مستتبا يسير فيه، أي صيرته (منهجا) التزمت به فيما أقرأ وما أكتب.

ومع ذلك، فقد كنت أتوهم في سنة 1935 حين فرغت من إجراء منهجي في (تذوق الشعر) على كل كلام غير الشعر، أني قد سبقت إلى ذلك، حتى كانت سنة 1956، أي بعد أكثر من عشرين سنة، حين طبعت (الرسالة الشافية) للإمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت