ومنْ يومئذ، بدأتْ أوربّة تتغيَّر، لتخرجَ من هذا المأزِقِ الضَّنْك. وبهمةٍ لا تَفْتُر ولاَ تعرف الكَلَلَ، بدأ الرهبانُ وتلاميذهُم معركة أخرى أقَسى من معارك الحرب، معركة المعرفةِ والعلم الذى هيّأ للمسلمين ما هيّا من أسباب الظفر والغلَبة. لقد علمُوا الآنَ أن معركة السلاحِ لن تُغْنِى عهم شيئًا، وهذه أمواجُ المسلمين تتدفق في قلب أوربّة غربًا، ويدخُلُ الإسلامَ سِلْمًا بلا إكراهٍ جماهيرُ غفيرة، كانوا بالأمس نَصارَى متحمِّسين في قتالِ المسلمين، الوثنيِّين، كما أوهمَهم الرهبان، فلم يُغْنِ هذا الايهام عنهم شيئًا.
14 -وهذا المأزِقُ الضَّنْك في حياةِ المسيحية، له تاريخ قديم سابق لا يمكن إغفاله، بل ينبغي أن يكون واضحًا لنا كل الوضوح، لأن غموضه سبب كبير من أسباب فَسَاد حياتنا الأدبيّة إلى هذا اليوم، بل إلى هذه الساعة التي تقرأ فيها كلامى. فعند مجيء الإسلام، كان سلطانُ الكنائس المسيحيةِ مبسوطًا على الشام، ومصرَ، وشمالِ إفريقية، وأرض الأندلُس منذ قرون طويلة سبقتْ. وفى طَرْفة عين، في أقل من ثمانين سنة، تقوضَ فجأة سلطان المسيحية على هذه الرقعة الواسعة المتراحبة وزالَ زوَالًا سهلًا، وتقوَّض أيضًا سلطانُها على نفوس الجماهير الغفيرة من رعاياها، ودخلوا دخولًا سهلًا يسيرًا في الاسلام طوعًا بلا إكراهٍ = بل أعجبُ من ذلك، صاروا همْ جُنْدَ الإسلام، وحمَاةَ ثغوره وعواصمه، وقارعُوأ النصرانية وحصروهَا في الشمالِ الأوربي- بل أعجب من ذلك أيضًا، أنْ دخلوا في العربيّة دخولًا غريبًا وصارَ لسانهم لسانَها = بل أعجب من ذلك أيضًا، أنْ خرجَ من أصْلاَبِهم كثرة كاثرة من العلماء الكبار الذير يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وبالعِلْم وبالسيف. وصارت دارُ الِإسلام، كُلها ديارَ ثقافة وعِلْمٍ وخُلقٍ وحضارةٍ تبهر الأنظارَ والعقول، في المشرقِ حيث مَقَرُّ الخلافة فى