دمشقَ وبغدادَ، وفى المغرب حيث ديارُ الأندلس. كيف حَدَث هذا؟ سؤال جوابُه جواب طويل ليس هذا مكانَه، ولكنّه كان سؤالًا يتردّد في ضميرِ المسيحيّة كُلها.
كانَ جُزْءًَا من جواب هذا السؤالِ أن جاهدت الدولة البيزنطيّة في الشمال أن تسترد ما ضاعَ، وظَلَّتْ أربعةَ قرونٍ تحاول أن تعود فتخترقَ هذا العالم الِإسلامي من طرفه الشماليّ عند الشام، وذهبَ جهدها هدرًا، ولم يُغْن عنهم السلاح شيئًا. وكلّ يوم يمرّ، يزداد رعايَا الرّهبان والملوك انبهارًا بالإسلام وخُلقه وثقافَته وحضارته، ولم ينج من هذا الإنبهار لا الملوك ولا الرهبان أنفسُهم. وضاق الأمرُ، وكاد اليأسُ يخَامِر قلبَ المسيحية، لا تدرى ماذا تفعل في تساقط رعايَاها في الِإسلام، أو في ثقافته وحضارته، طوعًا بلا إكراهٍ. ما معنى هذا؟ أيكون معناه أنّ المسيحية على ما هى عليه غير مقْنِعةٍ لجماهير الرعايَا؟ ولم يُحيروا جوابًا، ولا وجدوأ لأنفسهم مخرجًا، وَالْتَقَتْ حَلْقتا البطان! (البطان: حِزام الرحل على البعير، وهو مَثَل يضرب للأمر إذا اشتد وضاق) .
ثمَّ جاءَ ما يبدِّد هدا اليأسَ. هده هي الجيوش الجرارة من الهَمَج الهامجِ تتدفّق من قلب أوربة، تريد أيضًا مرة أخرى، اختراقَ العالم الِإسلامي من شماله في الشام. ودبت الحروب الصليبيَّة التي ستستمر قرنين كاملين (096 1 - 1291 م / 489 - 690 هـ) ، في خلالها أستوَلوْا على جزءٍ من أرضِ الشام، وأقام به بعضهم إقامةً دائمة، وأنشأوا ممالكَ، وخالطوا المسلمين مخالطةً طويلة، وأحرَزوا من كنوز العالم الِإسلامى ثروةً هائلةً يستمتعون بها، وعَرَف الهمج الهامج ما لم يكنْ يعرف، وأمتلأت قلوبهم شهوةً ورغبةً فيما فَتَنَتْهم بِه ديار الإسلام وحضارته. ويعود العائدون بعد كل حملةٍ من الحملات السبع االصليببة إلى ديارهم وأهليهم، يتحدَثون بما رأوا، ويَصِفون ما حازوا، ويبالغون في كُلّ ذلك، وينبهر السامعون ويتوقون إلى الرحلة والإنضمام إلى كتائب المجاهدين الصليبيين، لتحقيق آمالهم في الغنى والثروة والإستمتاع، ولكن طول معاشرة هذه