الجماهير للمسلمين أحدث لكثير منهم قَلَقًا في صدق ما كانوا يسمعونه من الرهبانِ المتحمِّسِين المحرِّضين على الحرب، وهمْ يبَشِّعون لهم أمرَ المسلمين ودينهم وأخلاقَهم، وحمل العائدون أيضًا هذا القَلَق وتحدَّثوا به. هكذا كان شأنُ جماهير الهمج الهامج في ديارهم، فإذا طالَ هذا وتكاثر، فإنه ممّا يهدِّد المسيحية في عقْر ديارها في الشمال كله، بلا شكٍ.
وانتبه بعض الرهبانِ والملوك وعُقَلاء الرجالِ، وبحثوا عن مخرجِ قبلَ أن يتفاقم الأمر.
فكانَ بيِّنا لعقلائهم أن سرِّ قوَّة الحضارة الِإسلامية هو العلم، علم الدّنيا وعلم الآخرة. فعلم الآخرةِ، وهو الدين، مقْنِع لجماهير البشَر، فهم يدخلونه طوعًا واختيارًا = وعلم الدّنيا، كما رأوا، هو الذي مكَّنَ لهذه الحضارة الإسلامية أن تملك هذه القوةَ الهائلةَ المتماسكَةَ التي شَعَروا أنها مستعصية على الإختراق ِ، وهده الأُبَّهِة الهائلة التي تعيش فيها دار الِإسلامَ.
ومضى نحو قرنٍ ونصفٍ من الحملات الصليبيَّة، وأصبح الأمرُ أشدّ حَرَجا ً، وصارَ بينًِّا أن الحروبَ الصليبيَّةَ توشِك أن تَؤوب للإخفاقِ مرة أخْرى. فانبعثَ منهم رجال يطلبونَ العلم والمعرفة في أرض الإسلام ما استطاعوا، في المشرق وفى الأندلس، وظهر رجال من طَبَقة"روجر بيكُنْ"الإنجليزي، (1214 - 1294/ 611 - 693 هـ) ، ممَن شامُّوا العرب والعربيةَ، وجاهدوا في التعلُّم جهادَ المستميت بصبر ودَأبٍ، ليزيحوا عن أنفسهم وأهليهم غوائلَ الجَهْل. وهب رجال من الرُّهْبان ذوى الحَمِية أحسّوا بالخَلَل الواقع في الحياة المسيحية التي لم تَحْمِ رعاياهم من التساقط السهل في الإسلاَم على طولِ القرون، هبّوا لإِصلاح هذا الخَلَل. فكان من أكبرهم رجُل ذكيُّ متوقِّد، جاهدَ جهادًا عظيمًا في سبيل دِينه، أراد أد يزيلَ جهالة الرّهبْان والملوكِ، ويمكن لهم حجةً مقْنِعةً تَحول بينهم وبين هذا الإنبهار بالإسلام وثقافته