وحضارته. ذلك الرجل هو (توما الإكوينىّ) الِإيطالىّ الكاثوليك، (1225 - 1274 م / 622 - 673 هـ) ، وبذكائه وحميته وإخلاصه، استطاع أن يحصِّل قَدْرًا كبيرًا من العلم والمعرفة، متَّكئًا اتِّكاءً كاملًا على القَدْر الدى استطاعَ أن يَفْهمه ويَظفر به من عند كتاب الإسلام وعلمائه وفلاسفته ومتكلِّميه، كابن رشْدٍ وابن سينَا وغيرهم، مريدًا لكلّ ذلك إصلاحَ الخَلَل الواقع في الحياة المسيحية، والذى أضعفَ سُلطان الكنيسةِ والرّهبانِ على نفوس رعاياهم الذين لا سبيل لهُمْ إلى معرفة شيئ من دينهم إلاّ عن طريق الكنيسة والقِسِّيسِين والرّهْبَان.
ولكن كان العائق عن أن تؤتي هذه النهضَة ثمارَها يومئذٍ أنَّ لغَة الرهبانِ ثم العلماءِ كانت هى اللاتينيَّة القديمة، وهى لغَة لا تعرفها جماهير رعايَا الكنيسة، وكانت أوربّة كلها تتكلَم لغاتٍ كثيرةً مختلفةً، ولهَجاتٍ شديدةَ التباين ولكنَّها لغات قَلِقة في دور التكوين وكان أكثر هذه الجماهير أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وأصبح الرهبان والعلماء يسيرون في طريق ٍ، ورعايَا الرّهبان يسيرون في طريق آخَر، فهمْ قطيع ينعِق فيه ناعق بما لا يسمَع إلاّ دعَاءً ونداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فهم لا يعقِلونَ.
وقَضَى الله قَضَاءَه في السابعَ عشر من جمادى الآخرة سنة 690 هـ (17 من يونيه لسنة 1291 م) ، وسقَطَ آخرُ حِصْن كان للصليبين في الشام، ورجعت آخر فلولِ الحملات الصليبة إلي مواطنها متهالكةً يائسةً مُسْتَحْذِيَةً صُفْرَ الوجوهِ من الخِزْي والعار ِ، وفي قلوبِها حَسْرة قاتلة على ما خرجَ من أيديها من متاع الدُّنيا وبَهْجَتها وزخْرفها، وفي سِرّ أنفسِها يأس محيِّر ويَقين مفزع: أنَّ دارَ الإسلام دِيَار ممتنعةٌ علي الاختراق امتناعًا لا سبيلَ إلى تجربته مرة ثالثة.
وأيضًا، قَضى الله قضاءَهُ المستورَ الذى لم يَكْشِفْ عنة الحجابَ بعد: أنْ لا تكون الحرب الصليبية شرًّا محضًا على المسيحيّة المحصورة في الشمالِ، بلْ قَدَرًا مقدورًا