من النرمَنْدييِّن والصقالبة والسكسون، بقيادة الرهبانِ وملوكِ الِإقطاع، وبدأت"الحرب الصليية"، واكتسحت في طريقها أهل النَّصرانية وسفحت دماءهُم بفَظَاظة، وبدأت تكتسِح ثغور الِإسلامِ وعواصمَه الشمالية وتسفح الدماءَ المسلمة، وأستمرَّت قائمةً قرنين كاملين. كانت فرحةً رائعة، ولكنها انتهت بالِإخفاقِ وباليأس من حربِ السلاحِ في سنة 1291 م، (690 هـ) ، بعد أن تركتْ في أنفس المقاتلين الهَمَج بصِيصًا من اليَقَظة والتنبه، باحتكاكهم المستمرّ بحضارة راقية كانت تَفْتِنهُم، وتبعث في نفوسهم الشك فيما كانوا قد سمعوه من رُهْبانهم وملوكهم، وتثير في نفوس العائدين إلى مواطنهم ضروبًا مختلفةً من القلَق، هى على قِلتّها يُخْشَى أن تنتشر في جماهير هذه الأمم الجاهلة، فتضْعف حَمِيتهم ونَخْوتَهم. وكانت حسرة وغصَّة في قلوب الرّهْبان والملوك والمثقَفين، وحاولوا أن يستبْقوا هذه الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين راسخةً في أنفس الجماهير المتحمّسةِ للدفاع عن نصرانيتها الجديدة. هذه واحدة.
الأمر الثاني: بَطَل عمل السلاح بالإخفاق واليأس، وخمدت الحروب تقريبًا بين الِإسلام والصليية نحو قرنٍ ونصفِ قرنٍ، ثم وقعت الواقعة. اكتُسِحَت الأرض المسيحيّة في آسية، في شمال الشام، ودخلت برمّتِها في حَوْزة الإسلام. وفى يوم الثلاثاء 20 من جمادى الأولى سنة 857 هـ / 21 مايو سنة 1453 م، سقطت القسطنطينيّة عاصمة المسيحية، ودخلها"محمد الفاتح"بالتكبير والتهليل، وارتفع الأذان في طرف أوربة الشرقى. إذنْ، فقد وقعت الواقعة!! وأهتزَّ العالم الأوربىّ كلّه هزّةً عنيفةً ممزوجةً بالخِزْى والخوفِ والرُّعب والغضب والحِقْد، ولكن قارَنَ دلكَ إصرار مستميت على دَفْع هذا الخزي، وإماطة هذا الخوف والرعب وإشعال نيران الغضب والحقد، بحمية تأنف من الإستكانة لذل القهر الذي أحدثه محمد الفاتح ورجاله من المسلمين الظافرين