إليها، وفي قلوبهم كُلّ اللَّهيب المُمِضّ الذى في قلب أوربَّة، والذى أحدثته فجيعة سقوط القسطنطينية في حوزة الإسلام، ولكن لا همَّ لهمْ ليلًا ولا نهارًا إلاّ حيازةُ كنوزِ علم دار الإسلام بكُلِّ سبيلٍ، تتوهَّجُ أفئدتهم نارًا أعتَى من كُلّ ما في قُلوب رُهبان الكنيسة، ولكنهم كانوا يملكونَ من القدرة الخارقة أن يخالطوا أهل الإسلام في ديارهم، وعلى وجوههم سِيمياءِ البراءة واللين والتواضع وسلامة الطوية والبِشْر. وبفَضل هؤلاءِ المتبتِّلين المنقطعين عن زُخْرف الحياة الجديدة = وبفضلهم وحدهُم، وبفَضْل ملاحظاتهم التي جمعوهَا من السياحة في دار الإسلام ومن الكتب، وبذَلوها لملُوك المسيحية الشمالية، نشأت طبقَةُ السَّاسة الذين يُعِدُّون ما استطاعوا من عُدَة لردّ غائلة الِإسلام ثُمَّ قَهْرِه في عُقر دياره، ولتحقيق الأحلام والأشواق التي كانت تُخامرُ قلبَ كُلِّ أوربي، أن يظفَر بكنوز الدُّنيا المدفونة في دار الإسلام وما وراء دار الإسلام وهم الذين عرف فيما بعد باسم رجال (الاستعمار) = وبفضلهم وحدهم أيضًا، وبفضْل ملاحظاتهم التي زوَّدوا بها رُهْبان الكنيسة، ثارت حميَّة الرهبانِ، ونشأت الطائفة التي نَذَرت نَفْسها للجهادِ في سبيل المسيحيّة، وللدُّخول في قلب العالم الإسلامىّ لكى تحَوِّلَ مَنْ تستطيع تحويله عن دينه إلى الملّة المسيحية، وان ينتهي الأمرُ إلى قهْر الِإسلام في عُقْر داره، = هكذا ظنّوا يومئذٍ = وهذه الطائفة هي التي عُرِفت فيما بعدُ باسمِ رجال (التبشير)
فهذه ثلاتة متعاونة متآزرة متظاهرة، وجميعُهم يد واحدة، لأنهم إخوة أعيان، أبوهم وا حد، وأمّهم واحدة، ودينهم واحد، وأهدافهُمْ وا حدَة، ووَسَائلهم وا حدة. ليس من هَمِّى هنا (التبشير) ، فقد فرغت من بعض شأنِه في كتابي (أباطيل وأسمار) ، وليس من همّي هنا (الاستعمار) ، لأنّا ذُقْنا طرفًا من أفاعيله تجربة ومعاشرة، وإن كان من خِذْلان الله لنا أنا لم نفهمه فهمًا نافذًا شاملًا على الوجه الصحيح، ولكن هَمّي هنا مصروف إلى (الاستشراق) لعلاقته الحميمة بفساد حياتنا الأدبية والاجتماعية = ولأن