وتلاَقي الخاصَّةَ من العلماءِ، وتُخَالطُ العامة من المثقَّفين والدَّهماء، وتُدَوّنُ في العقول وفي القراطيسِ ما عَسَى أن ينفعهم في فهم هذا العالم الذي استعصى على المسيحية واستعْلَى قرونًا طوالًا. يخرجون أفواجًا تتكاثر على الأيَّام، ويجوبون أرجاء هذا العالم، ويعودون لإتْمام عملين عظمين: إمدادِ علماءِ اليقظ بهذه الكنوز النفيسة من الكتب الَّتي حازوهَا أو سطَوْا عليهِا، وإطلاعِهم على ما وقفوا عليه فيها، باذلين كلّ جُهْدٍ ومَعونةٍ في ترجمتها لهم، وفي تفسير رُموزها بقدر ما استفادوا من العلم بها = وأيضًا إطلاعِ رُهْبان الكنيسة وملوكها على كُلِّ ما علموا من أحْوال دار الإسلام، وما رأوه عيانًا فيها، وما لاحظوهُ استبصارًا. وكان أهم ما لاحظوه أو خبَروه، هذه الغَفلة المُطْبقة على أرضِ الإسلامِ، والَّتي أورَثهم إياها الاستنامةُ إلى النصْر القديمِ على المسيحية، والاغتِرار بالنصر الحادثِ بفتح القسطنطينية، ثم سماحةأهل الإسلام عامتهم وخاصتهم مع من دينه يخالف دينهم، ولا سيما اليهود والنصارى، لأنهم أهل كتاب ولأنهم اتباعُ الرسولين الكريمين مُوسَى وعِيسَى بنِ مَرْيمَ عليهما السلام، ولأنّ دينَ أحَدِهم لا يَسْلَم له حتّى يؤمِن بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله لا يُفَرِّق بين أحدٍ من رسله سبحانه = وأعلموا رهبانهم وملوكهم أن هذا هو الذي يَسَّر لهم أن يجوبوا في الأرض غير مروَّعين، ويسَّرلهم خاصةً أن يُدَاهنوا العلماء والعامَّة وينافقوهُمْ ويوهموهُم بالمكر والمِحَال ِ أنهم طلاب علم لا غير، خالصة قُلُوبهم لحب العلم والمعرفة، والله عليم بالسَّرائِر.
ومن يومئذٍ نشأت هذه الطبقةُ من الأوربيّين الذين عُرِفوا فيما بعدُ باسم (المستشرقين) ، وهُمْ أهمُّ وأعظَمُ طبقةٍ تمخَّضتَ عنْها اليَقَظةُ الأوربية، لأنهم جُنْدُ المسيحية الشمالية، الذين وَهَبُوا أنفُسهم للجهادِ الأكبر، ورضُوا لأنفُسهم أن يظّلوا مَغْمورين في حياةٍ بدأت تَموج بالحركة والغِنَى والصيتِ الذائع، وحَبسُوا أنفسهم بين الجدْران المختفية وراءَ أكدْاس من الكتُب، مكتوبةٍ بلسانٍ غيرِ لسان أمَمهم التي ينتمون