فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 186

صارت شهوةً عارمةً تدب دبيبًا في كلّ نَفْس، بل صارت غريزةً مستحكمةً من غرائز النَّفْس الأوربية. هذا إيجاز شديد لما كان، وليكنْ منْك على ذُكْرٍ أبدًا لا تنساه.

كان كُلّ مَدَد اليَقَظةِ، كما قدّمت، مسْتجلَبًا كُلّه من علوم دار الإسلام، من العِلْم الحى في علمائه، ومن العلم المُسَطَّر في كتبه. والسبيلُ إلى ذلك في الأمرين جميعًا كان معرفةَ لسانِ العربِ. ولن أقصَّ عليكَ التاريخ الطويل، ولكن اعلم أنّ لسانَ العربِ كان له السيادة المطلقَة على العالم، قرونًا قبل ذلك طِوالًا، وكانت المسيحيّة الشماليةُ مجاورةً لهدا السّلطان المطلق، ومصارعةً لأهله صراعًا طويلًا تارةً، وتخالطةً لهم بالتجارة والرحلة وغيرهما زمنًا طويلًا تارة أخرى، ولذلك كان هذا اللسان العربيّ معروفًا معرفةً جيدةً لطوائف من العامّة والخاصّة في ديار بيزنطة من ناحية، وفي قلبِ أوربة نفسها لمجاورتها الأندلس. ولن أشغل نفسي بالحديث عن هذا التاريخوقد مضت من قبل إشارة إليه خاطفة، فالذى يعنينى هنا ما كان عند بَدْءِ اليقظة في أوربّة. فبالهمَّة ولِإخلاص والعَقْل أيضًا، كانَ لابدَ لهُمْ من أن يزدادَ عَدَد الذين يعرفون اللسانَ العربيّ ويجِيدونه زيادةً وافرةً، (1) لحاجتهم يومئذ إلى أن يعتمدُوا اعتمادًا مباشِرًا على الاتًصال بالعِلم الحىِّ في علماء الإسلام، لكى يتمكَّنُوا من حلِّ الرُّموز اللُّغَوية الكثيرة المسطَّرة في الكتب العرية، ولا سيَّما كتب الرياضة والجبر والكيمياء والطبِّ والفلك وسائر علوم الصناعة التي قلَّ من يعرفُها.

فكانَ من الأهداف والوسائل، كما ذكرت قبلُ، بعْثَةُ أعدادٍ كبيرة ممَّنْ تعلَّموا العربيةَ وأجادوها إجادةً مَّا، تخرج لتسيح في أرض الِإسلام، وتجمع الكُتب شراءً أو سَرِقةً،

(1) لم يقتصر أمرهم على تعلم اللسان العربي، بل انطلقوا يتعلمون كل لسان كان في دار الإسلام كالتركي والفارسي وغيرهما من لغات كانت للمسلمين منطوقة، أو في القراطيس مكتوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت