وكان ما كانَ ... فمع اليقظة ازدادت (الأهداف) وُضوحًا وجَلاءً، وازدادت (الوسائلُ) دقّةً وتحديدًا وشمولًا، بعد أن وَعَظت أوربّةَ المراحلُ الثلاثُ الأوَل التي لم تصنع للمسيحية المحصورة في الشمالِ شيئًا ذا بال. (الأهداف) معروفة لك الآن، أكبرها شأنًا هو اختراق دار الِإسلام، ثم تمزيقُها من قلبِها، ثم الظفر بالكنوز الغالية التي كانت، ولم تَزَلْ، تراوِدُ كلَّ قلبٍ ينبض في أوربة بأحلامٍ شَرِهةٍ مسعورةٍ إلى الغنى والثروةِ والمتاعِ، غَرَستْ بذورَها في أعماق النفوس أحاديثُ العائدين من حملات الحروب الصليبية القديمة. أمّا (الوسائل) ، فقد وُضِعتْ لها قواعد راسخة تجنبُهم أخطاءَ المراحلِ الثلاثِ السابقة التي منِيَت بالِإخفاق. كان على رأس هذه القواعد: تنحيَةً السلاحِ جانبًا، بعد أن ثبت لهم إخفاقه في اختراق دار الإسلام، لأنّه يستثير ما لا يعلمونَ مغبَّته من سوءِ العواقب، وكفى بالتجارب الثلاث الغابرة وَاعظًا. فمى يومئذِ صارتِ القاعدة الراسخة في سياسة أوربّة هى اجتنابَ استثَارةِ هذا العالم الضَّخْم المُبْهَم الذى كان (الترك) هم طلائعَه المظفَّرةَ الناشبةَ أظافيرُها في صميم المسيحية الشمالية في قلب أوربة = ثم العملَ الدائبَ البصيرَ الصامتَ الذى يُتيح لهم يومًا مَّا تَقْليمَ هذه الأظافِر وخَلعَها من جذورها = ثم استنفَادَ قوَّته بالمناوشةِ والمطاولة والمثابرة، بالدهاء والمكر والسياسة والصبر المتمادي، حتى يأتي عليه يوم لا يملك فيه إلا أن يستكينَ ويستسلمَ، وليكُنْ كل ذلك من وراءِ الغَفْلة، وبالدهاء والرفْقِ تارةً، وبالتنمُّر والتكشير عن الأنيابِ تارة أخرى ... وكذلك كان ما كانَ، وما هو كائن إلى هذه الساعة، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ.
وفَضَّت المسيحية الشمالية قيودَ الحصار عن نفسها، وخرجتْ جحافِلها مكتسحةً تجوب البحرَ والبرّ. انطلقت الأساطيل من شواطيء أوربة مزوَّدةً بالعدة والعَتَاد والرجال الأشدّاء والمغامرين، والعلماءِ والرهبان، وهدفها أن تطوِّق دار الإسلام