فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 186

(ولفط المنهج) ، يحتاج مني هنا إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصطلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشأن، بل أريد به (ما قبل المنهج) ، أى الأساس الذى لا يقوم (المنهج) إلا عليه.

فهذا الذى يسمى (منهجا) ينقسم إلى شطرين: شطر في تناول المادة، وشطر في معالجة التطبيق.

(فشطر المادة يتطلب قبل كل شىء، جمعها من مظانها على وجه الاستيعاب المتيسر، ثم تصنيف هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا، وذلك بتحليل أجزائها بدقة متناهية، وبمهارة وحذق وحذر، حتى يتيسر للدارس أن يرى ما هو زيف جليا واضحا، وما هو صحيح مستبينا ظاهرا، بلاغفلة، وبلا هوى، وبلا تسرع.

(أما شطر التطبيق، فيقتضي ترتيب المادة بعد نفي زيفها وتمحيص جيدها، باستيعاب أيضا لكل احتمال للخطأ أو الهوى أو التسرع.

ثم على الدارس أن يتحرى لكل حقيقة من الحقائق موضعا هو حق موضعها، لأن أخفى إساءة في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليق أن يشوه عمود الصورة تشويها بالغ القبح والشناعة.

وأزيدك الآن: أن (شطر التطبيق) هو الميدان الفسيح الذى تصطرع فيه العقول، وتتناصى الحجج، (أى أن تأخذ الحجة بناصية الحجة كفعل المتصارعين) ، والذى تسمع فيه صليل الآلسنة جهرة أو خفية، وفي حومته تتصادم الأفكار بالرفق مرة وبالعنف أخرى، وتختفى فيه الآنظار اختلافا ساطعا تارة، وخابيا تارة أخرى، وتفترق فيه الدروب والطرق أو تتشابك أو تلتقي.

هذه طبيعة هذا الميدان، وطبيعة النازليه من العلماء والأدباء والمفكرين. وعندئذ يمكن أن ينشأ ما يسمي"المناهج"و"المذاهب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت