كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 14
قرون كثيرة عديدة، فإن قيل: ما الاستحالات التي حصلت في نباتات الزمن القديم حتى تحولت إلى كتلة فحمية مشحونة بالقار؟ قلنا: إن النباتات التي غمرتها المياه كانت كتلتها خفيفة إسفنجية تشبه «التورب» الذي يتكون الآن في المستنقعات، فلما مكثت في المياه حصل فيما تعفن جزئي وتخمر لا يمكن الإفصاح عنه بأكثر من أن يقال: إن التحلل الذي حصل في نباتات الزمن القديم كان مصحوبا بتكون غازات معدنية سائلة المتشرب به الفحم الحجري، ومنشأ الزيوت القطرانية المتشربة بها أنواع الشيت القاري، وقد استمر انتشار تلك الغازات بعد اندفان طبقات «التورب» تحت الأراضي التي غطتها، وقد اكتسب الفحم الحجري الكثافة العظيمة المميزة له، وحالة الانضمام بثقل هذه الأراضي وضغطها له وكذلك الحرارة المتصاعدة من جوف الأراضي كان لها تأثير عظيم في ذلك، وينبغي أن تنسب الاختلافات التي في طبقات الفحم الحجري إلى هذين السببين، أعني الضغط والتسخين الواقع من تأثير الحرارة المركزية؛ ولذا كانت الطبقات السفلى أكثر جفافا واندماجا من الطبقات العليا؛ لأن الحرارة التي أثرت فيها كانت أكثر ارتفاعا، وكان الضغط الواقع عليها أقوى، وقد اتضح من التجربة المتكررة مرارا كيفية تكون الفحم الحجري، وحصل النجاح في تكون فحم حجري مندمج جدّا بتأثير الحرارة والضغط على الخشب وعلى مواد نباتية أخرى، وكان الجهاز الذي استعمل في هذه التجربة يتأتى معه تعريض مواد نباتية محالة بالطين المندى بالماء، ومضغوطة إلى حرارة مرتفعة، واستمر تأثيرها زمنا طويلا، ولم يكن هذا الجهاز مغلقا، لكن يمنع تصاعد الغازات والأبخرة، بحيث إن تحلل المواد النباتية كان يحصل في وسط مشحون بالرطوبة بتأثير ضغط يمنع انفصال العناصر التي تكونت منها، فلما وضعت نشارة أخشاب ذات طبيعة مختلفة في هذا الجهاز، تكونت منها متحصلات تشبه الفحم الحجري اللامع تارة، والفحم الحجري المعتم تارة أخرى، وهذه الاختلافات ناشئة عن اختلاف صنوف الخشب التي عرضت للتجربة، وبها يعلل اختلاف أنواع الفحم، واللّه سبحانه وتعالى أعلم، وقد آن لنا الشروع في تمام المقصود بعون اللّه تعالى الملك المعبود فنقول: