كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 237
حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير المقصود بالذات، فهذا هو الفائدة في اختيار هذه العبارة (واعلم) أنه تعالى لما ذكر أولا أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعا عاما ضروريا، وثانيا أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعا خاصا ضروريا كما أشرنا آنفا بقي القسم الثالث من الحيوانات التي لا ينتفع الإنسان به في الغالب فذكرها على سبيل الإجمال فقال:
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) [النّحل: الآية 8] . وذلك أنه لو اطلع الإنسان على الحيوانات العنكبوتية الآتي شرحها لوجدها قسما يسيرا من أقسام الحيوانات؛ وذلك لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء مع أنها قسم يسير، ولو خاص الإنسان في شرح عجائب المخلوقات، لكان المذكور بعد كتب المجلدات الكثيرة كالقطرة من البحر، فكان أحسن الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر اللّه تعالى.
أي وخلق من الأنعام أزواجا، ومعناه وخلق أيضا للأنعام من أنفسها أزواجا يَذْرَؤُكُمْ) [الشّورى: الآية 11] يكثركم يقال: ذرأ اللّه الخلق أي كثرهم وقوله:
فِيهِ) [البقرة: الآية 2] . أي في هذا التدبير وهو التزويج، وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، والضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطبين إلا أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين: (الأول) : أنه غالب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء. (الثاني) : أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين فإن قيل: ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير، ولم يقل يذرؤكم به؟ قلنا: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير؛ لأنه يقال للحيوان في خلق الأزواج تكثير كما قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة: الآية 179] .
وقوله تعالى: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ(12) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ.
[قوله: (خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وهاهنا سؤالان]
(اعلم) أن قوله: (خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها) [يس: الآية 36] . قد تقدم الكلام في تفسيره، وأما قوله: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ) [الزّخرف: الآية 12] . فذلك لأن السفر، إما سفر البحر أو سفر البر، أما سفر البحر فالحامل هو السفينة وآلام سفر البر فالحامل هو الأنعام (وهاهنا سؤالان) :
[الأول: لم يقل على ظهورها؟]
الأول: لم يقل على ظهورها؟ وأجابوا عنه من وجوه: (الأول) : قال أبو عبيدة: التذكير بقوله: (لَكُمْ) [الزّخرف: الآية 12] والتقدير ما تركبونه. (الثاني) . قال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزلة الجيش