فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 142

«المقالة التاسعة عشرة» في قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) [الإنسان: الآيتان 1، 2] .) [فيه مسائل ثلاث]

اعلم أنهم قد اختلفوا في معنى كون النطفة مختلطة، فالأكثرون على أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة كقوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ(7) [الطّارق: الآية 7] . وقد تقدم الكلام عليها وأما قوله: (نَبْتَلِيهِ) [الإنسان: الآية 2] . فيه مسائل:

(المسألة الأولى) : نبتليه

؛ أي لنبتليه، وهو كقول الرجل: جئتك أقضي حقك. أي لأقضي حقك.

وأتيتك أمتحنك بكذا. أي لأمتحنك. فكذا قوله: (نَبْتَلِيهِ) [الإنسان: الآية 2] . أي لنبتليه، ونظيره قوله تعالى: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ(6) [المدّثّر: الآية 6] . أي لتستكثر.

(المسألة الثانية) فجعلناه سميعا بصيرا:

نبتليه في موضع الحال، أي مبتلين له، يعني مريدين ابتلاءه، وفي الآية قولان:

(أحدهما) : أن فيه تقديما وتأخيرا، والمعنى فجعلناه سميعا بصيرا لنبتله. (والقول الثاني) : إنه لا حاجة إلى هذا التغيير، والمعنى إنا خلقناه من هذه الأمشاج، لا للعبث بل للابتلاء والامتحان، ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه والابتلاء هو السمع والبصر، فقال تعالى:

فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: الآية 2] . والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم وعليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسّلام مقالته لأبيه: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) [مريم: الآية 42] . بل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان، واللّه تعالى خصهما بالذكر؛ لأنهما أعظم الحواس وأشرفها.

(المسألة الثالثة) : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) [الإنسان: الآية 3]

قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) [الإنسان: الآية 3] . أخبر تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الخمس الظاهرة والحواس الباطنة، بين له سبيل الهدى والضلال؛ لأن الآية الشريفة دالة على أن إعطاءه الحواس كالمقدم على إعطاء العقل، والأمر كذلك؛ لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت