كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 7
في بيان قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80) [يس: الآية 80] .
اعلم أن النار من جملة المنافع العظيمة المحتاج إليها جميع العباد، وهي ناشئة من الصمغية والشمعية المودعتين في الشجر، والجعل هنا بمعنى الخلق، أي خلق لكم ولمنفعتكم من الشجر الأخضر نارا، ولا معارضة «1» في جعله من ذلك نار، فالذي قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها، قدر سبحانه وتعالى على خلق الصمغ والشمع في الشجر كما قال تعالى:
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) [الواقعة: الآية 71] .
أي تقدحون أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (72) [الواقعة: الآية 72] . وفي تفسير شجرة النار وجهان: (أحدهما) : أن الشجر التي تصلح لإيقاد النار هي الحطب، فإنها لو لم تكن لم يسهل علينا إيقاد النار ولم يتيسر. (وثانيهما) : أصول شعلها الساري بها المتولد بخلقه تعالى منها، ينتشر بها لأجل تغذيها، ويحيله تعالى بقدرته إلى سوائل دهنية، فلو لم يجعلها تعالى ذات شعل، لما صلحت لإنضاج الأشياء، فمن قدر على إحداث هذه الدهنية التي هي أصل الشعل قدر على إحداث النار في الشجر؛ لأنه على كل شيء قدير، ولا شك عند كل عاقل أنه تعالى هو المخرج للأشجار والنباتات كما قال تعالى:
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (4) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (5) [الأعلى: 4، 5] . قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: المرعى هو الكلأ الأخضر، والغثاء من النبات ما حملته المياه وسيرته مع الزبد بقدرته تعالى، ورسب وانطم في الكدرات، وقوله تعالى: (أَحْوى) . أي أسود، أي اكتسب بعد الزمن الذي انطم فيه سواد انتشر به مكتسبا من الأرض، فإن قيل: هل يعلم قدر المدة التي يصير فيها الغثاء أحوى؛ أي أسود؟ قتلت: لا يعلم ذلك؛ ولا يعلم أيضا أزمان تكون طبقات الأرض إلا اللّه تعالى كما قال تعالى:
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) [الأعلى: 2، 3] .
[في السؤال الأول في كيفية الأجسام وقبولها للقوى إلى آخره]
وفيه أسئلة: (الأول) : هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات، منفرد سبحانه وتعالى بعلم جميع المعلومات، خلق ما أراد على وفق ما أحب وأراد، موصوفا بالإحكام والإتقان والكمال والعرفان، مبرأ عن العبث والاختلال وعن العلة والاعتلال.
(الثاني) : قرأ الجمهور (قَدَّرَ) [الأعلى: الآية 3] مشددة، وقرأ الكسائي على التخفيف، أما قراءة التشديد، فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم، وأما التخفيف فقال
(1) قوله: (ولا معارضة ... إلخ. تأمل هذه العبارة فإنها لا تكاد تظهر. اه.