كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 17
أصله الذي هو جده خلق منه. وأما قوله: (مِنْ طِينٍ لازِبٍ) [الصّافات: الآية 11] . أو مِنْ حَمَإٍ) [الحجر: الآية 26] وغير ذلك فهو إشارة إلى أن آدم عليه السّلام خلق أولا من التراب ثم صار طينا ثم حمأ مسنونا ثم لازبا، فكأنه خلق من هذا ومن ذاك ومن ذاك، والفخار الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف، مستعمل على أصل الاشتقاق، وهو مبالغة في الفاخر كالعلام في العالم، وذلك أن التراب إلي من شأنه التفتت إذا صار بحيث يجعل ظرفا للماء وللمائعات، ولا يتفتت ولا يرشح، فكأنه يفخر على أفراده.
[الحجر: الآية 26] وفيه مسائل:
[المسألة الأولى: في أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها]
المسألة الأولى:
ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها، وإذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول الحوادث، وإذا كان كذلك فلا بد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس، وإذا كان كذلك، فذلك الإنسان الأول غير مخلوق من الأبوين، فيكون مخلوقا لا محالة بقدرة اللّه تعالى، فقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) [الحجر:
الآية 26]. إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، والمفسرون أجمعوا على أن المراد به آدم عليه السّلام.
[المسألة الثانية: في أن آدم مخلوق من تراب ومن الطين ومن حمأ مسنون وبيان الجمع]
المسألة الثانية:
اعلم أن آدم جسم، وكل جسم محدث، فوجب القطع بأن آدم عليه السّلام وغيره من الأجسام محدث عن عدم محض، وأن قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) [آل عمران: الآية 59] . دل على أن آدم مخلوق من التراب أيضا، وأن آية أخرى دلت على أنه مخلوق من الطين، وهي قوله تعالى: (إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) [ص: الآية 71] وجاء في هذه الآية المتقدمة: أن آدم عليه السّلام مخلوق من صلصال من حمأ مسنون، فالأقرب حينئذ في الجمع بينهما أنه تعالى خلقه أولا من تراب، ثم من طين، ثم من حمأ