كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 13
على أنواع كثيرة، فأنواع «السرخس الحفرية» من الأرض الفحمية بأوروبا مائتان وخمسون نوعا مع أن أنواع «السرخس» التي تنبت بأوروبا الآن لا يصل عددها إلا إلى خمسين نوعا، والنباتات ذات الفلقتين ذات البذور العريانة كان عددها أكثر من مائة وعشرين نوعا، والأنواع التي تعيش منها الآن خمسة وعشرون نوعا.
قد قلنا: إن الفحم الحجري ليس إلا نتيجة تحلل جزئي في النباتات التي كانت في الأرض مدة طويلة، وقد أجمع علماء الفن على هذا الرأي، فكثيرا ما يشاهد في معادن الفحم الحجري بقايا هذه النباتات التي بجذوعها وأوراقها تتميز الأرض الفحمية، وقد وجدوا مرارا جذوع أشجار كبيرة في طبقات الفحم الحجري، ويحتمل أن وجود الفحم الحجري في باطن الأرض ناشئ عن اندفاع نباتات آتية من بعد حملتها الأنهار أو البحار فكانت طافية على سطحها كروامس كبيرة جدّا، ثم وقفت في أماكن مختلفة، ثم نفطت بأراضي، أو أن النباتات التي تكون منها خلقت ونمت في أماكنها، فلم تنقل بواسطة المياه، فنشوؤه تحلل كتلة من نبات خلقت ثم ماتت في الأماكن التي نجدها فيها الآن، والاحتمال الأول بعيد؛ إذ عليه يلزم أن تكون النباتات التي حملتها المياه كانت ذات سمك عظيم حتى تكون منها طبقات ثخينة من الفحم كما ذكرنا ذلك فيما تقدّم، وأما الاحتمال الثاني فقريب من العقل؛ إذ لا يلزم عليه إلا الزمن الضروري لتراكم المواد العضوية التي تكون منها الفحم الحجري، فإن توازي طبقات الأراضي الفحمية وحفظ انطباعات الأجزاء الدقيقة فيها يدل على أن هذه الطبقات تكونت مع الهدء التام، فينتج من ذلك أن الفحم الحجري إنما نشأ من تحلل النباتات في أماكنها، أي في المحال التي نمت فيها هذه النباتات.
(واعلم) أن القشرة الأرضية لم يتكون عنها في مدة الفحم الحجري إلا غلاف رقيق مرن مرتكز على كتلة سائلة أسفله، وكانت مضطربة بحركتي الارتفاع والهبوط المتعاقبتين الحاصلتين في الكتلة السائلة الباطنية التي كانت منقادة إلى الجذب القمري والشمسي كما هو الشأن في بحارنا الآتية، فكان ينشأ عنهما هبوطهما هبوطا عظيما في مدد مختلفة البعد عن بعضها، والظاهر أن المياه غمرت الغابات والكتل العظيمة من نباتات الزمن الفحمي لما هبطت الأرض، ثم نبتت غابات أخرى فوقها، ثم غمرتها المياه عند هبوط الأرض أيضا فبتعاقب هذه الظاهرة المزدوجة- أي انغمار النباتات بالمياه، ونمو غابات جديدة في مكان عينه- تراكمت كتل النباتات العظيمة التي تكوّن عنها الفحم الحجري، وكان حصول ذلك في