كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 16
الإنسان تراب وماء، فإنه تعالى جعل أصل تكون الجزئيات التي لا تتجزأ من الماء وتكونت منه المركبات، وجعل تعالى التراب أجزاء دقيقة من أغلب المركبات، وجعله أصلا للإنبات بدخول أصله عليه، فصار التراب أصلا والماء أصلا أولياء وأصلا ثانويّا، فإن جعل تعالى التراب أصلا والماء لجمع حياته، فالأمر كذلك، وإن جعل تعالى الأصل هو الماء والتراب متولد منه، فالأمر كذلك أيضا، فإن قال قائل: إن اللّه يعلم كل شيء، فهو يعلم أن الأصل منهما ما هو. وإنما الأمر عندنا مشتبه يجوز هذا وذاك، فإن كان الأصل هو التراب فكيف قال: (خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا) [الفرقان: الآية 54] . وإن كان الماء فكيف قال: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ) [الرّوم: الآية 20] . وإن كان الأصل من كل منهما فلم لم يقل: خلقكم منهما.
فنقول في ذلك لطيفة: وهي أن كون التراب أصلا والماء أصلا أيضا، ليس لذاتهما، وإنما هو بجعل اللّه تعالى، فإنه تعالى نظر لقدرته له أن يخلق أولا الإنسان، ثم يفنيه ويجعل منه التراب، ثم يذيبه فيجعل منه الماء، لكن الحكمة اقتضت أن يكون الناقص وسيلة إلى الكامل لا الكامل وسيلة إلى الناقص، فخلق التراب والماء أولا، وجعلهما أصلين لمن هو أكمل منهما بل للذي هو أكمل من كل كائن وهو الإنسان، فإن كونهما أصلين ليس أمرا ذاتيا لهما، بل بجعل جاعل، فتارة جعل الأصل التراب، وتارة الماء؛ لنعلم أن ذلك بإرادته واختياره، فإن شاء جعل ذاك أصلا، وإن شاء جعل ذاك أصلا، وإن شاء جعلهما أصلين، إن اللّه على كل شيء قدير.
وفي تفسير الصلصال قولان: (أحدهما) : هو بمعنى المسنون من صل اللحم إذا أنتن وتغير، وهذا القول ضعيف لما سيأتي، ويكون الصلصال حينئذ من الصلول. (وثانيهما) :
من الصليل، يقال: صل الحديد صليلا إذا حدث منه صوت، وعلى هذا فهو الطين اليابس الذي يقع بعضه على بعض فيحدث فيما بينهما صوت؛ إذ هو الطين اللازب، وهو الحر الذي إذا التزق بالشيء ثم انفصل عنه دفعة واحدة، سمع منه عند الانفصال صوت، فإن قيل:
الإنسان إذا خلق من الصلصال. فكيف ورد في القرآن أنه خلق من التراب، وورد أيضا أنه خلق من الطين، ومن حمأ ومن ماء مهين، إلى غير ذلك؛ فنقول أما قوله: (مِنْ تُرابٍ) [آل عمران: الآية 59] . أي تارة، وأما قوله: (( مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) [المرسلات: الآية 20] .
فتارة أخرى، فذلك باعتبار شخصين؛ آدم خلق من صلصال ومن حمأ، وأولاده خلقوا من ماء مهين، ولو لا خلق آدم لما خلق أولاده، ويجوز أن يقال: زيد خلق من حمأ، بمعنى أن