كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 183
وفيه وجوه:
(الأول) : أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن الماء ينزل من السماء فهل الأمر كذلك، أو يقال إنه ينزل من السحاب، وسمي نازلا من السماء؛ لأن كل ما سماك أي علاك فهو سماء، وهذا البحث قد مر ذكره بالاستقصاء.
(الثاني) : قوله: (بِقَدَرٍ) [الزّخرف: الآية 11] . أي إنما ينزل الماء بقدر ما يحتاج إليه أهل تلك البقعة من غير زيادة ولا نقصان لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم، بل بقدر حتى يكون معاشا لكم ولأنعامكم.
(الثالث) : قوله: (فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) [الزّخرف: الآية 11] . أي خالية من النبات فأحييناها وهو الإنشار ثم قال: كَذلِكَ تُخْرَجُونَ) [الزّخرف: الآية 11] . يعني أن هذا الدليل كما يدل على قدرة اللّه تعالى وحكمته، فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة ووجه التشبه أنه يجعلهم أحياء بعد الإماتة كهذه الأرض التي أنشرت بعد ما كانت ميتة، وقال بعضهم: بل وجه التشبيه أنه يخرجهم من الأرض بماء كالمني كما ينبت الأرض بماء المطر، وهذا الوجه ضعيف؛ لأنه ليس في ظاهر اللفظ إلا إثبات الإعادة فقط دون هذه الزيادة.
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: الأزواج الضروب، والأنواع كنوع النبات مثل القسط البحري، والقطرية والخرازية والقلقلسية والنجيلية والهليونية إلى آخر الأنواع.
وَقال بعض المحققين: كل ما سوى اللّه تعالى فهو زوج: كالفوق والتحت، واليمين، واليسار والقدام والخلف، والماضي والمستقبل، والذوات والصفات، والصيف والشتاء، والربيع والخريف، والزوجان أما الضدان فإن الذكر والأنثى كالضدين والزوجان منهما كذلك، وإما المتشاكلان فإن كل شيء له شبيه ونظير وضد وند.
قال المنطقيون: المراد بالشيء الجنس، وأقل ما يكون تحت الجنس نوعان فمن كل جنس خلف نوعين من الجوهر مثلا المادي والمحوي، ومن المادي النامي والحامد ومن النامي المدرك والنبات ومن المدرك الناطق والصامت، ومن المعادن الأزواج التنافر والتجاذب في كل معدنين، وكونها أزواجا يدل على كونها ممكنة الوجود في ذواتها محدثة مسبوقة بالعدم، فالحق سبحانه وتعالى هو الفرد المنزه عن الضد والند، والمقابل والمعاضد، فلهذا