كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 283
فلو اقتصر الزبان على وخز الجلد فقط لا يعقب الجرح بأدنى ضرر، لكن هذه الآلة يمر فيها قليل من السم، والذي يثبت أن سم النحل هو الذي يحدث الألم والالتهاب في الجزء المصاب، ويحدث من تأثير اللدغ خطرا قليلا أي ألما لا يدوم وأحيانا تنشأ عنه حمرة أو غلغموني، ومتى بقي الزبان في الجرح يصير التهيج أقوى، وإذا لدغ الإنسان بجملة من النحل في آن واحد يحصل له من ذلك خطر، فقد ذكر أن رجلا مات من لدغ جملة من النخل في صدره ووجهه.
اعلم أن قوله: (قالَتْ نَمْلَةٌ) [النّمل: الآية 18] . معناه أنها تكلمت بذلك، وهذا غير مستبعد فإن اللّه تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق ويعرف بفكيه العلويين المثلثين المسننين وبفقد الزبان؛ لأن له غدة تفرز سائلا حمضيا وهو الذي يقذفه على أعدائه، ونبتدئ برؤية «13» الحشرات التي ليست ذكورا ولا إناثا في النمل؛ لأن أعضاءها التناسلية ليست إلا على الحالة الأثرية، والواقع أن البحث الدقيق في النمل يدلنا على ثلاثة أنواع وهي: الذكور والإناث، وكل منهما له أجنحة إلا أنها قابلة للسقوط والنمل الذي ليس بذكر ولا أنثى، وهو لا أجنحة له ويعتبر إناثا لم تكتسب مبايضها نموها التام، وهذه الحشرات أعني الأخيرة هي التي تشتغل بمفردها في صناعة مسكن النمل، وتهتم بتربية الدود، وتجمع الغذاء الضروري للإناث والذكور، ولصغارهما التي تتولد من الدود متى استحال الدود إلى نمل لا تمكث الذكور والإناث في المسكن إلا الزمن اللازم لنمو أجنحتها، فحينئذ تخرج من مسكنها، وتتناسل في الهواء، ثم تموت الذكور التي تعرف بسهولة؛ لأنها أصغر حجما من الإناث بكثير، فلا تدخل في مسكنها الأول، وأما الإناث فتذهب بعيدا وتبيض بيضها بعد أن تزيل أجنحتها بواسطة أرجلها، ومع ذلك فبعضها يبيض بيض في المسكن الذي ولد فيه؛ لأن النمل الذي ليس بذكر ولا أنثى يوصلها إليه ويزيل أجنحتها؛ لأجل منعها من الذهاب.
وعن قتادة- رضي اللّه عنه- أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم. وكان أبو حنيفة- رحمه اللّه- حاضرا وهو غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة
(13) قوله: (نبتدئ برؤية ... إلخ. كذا بالأصل، وحرر. اه.