كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 215
وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية في إنبات النبات وتقلب الإثمار وما فيها من المنافع فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر اللّه للعبد حصول الإيمان، فكأنه قيل هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء اللّه في حقه بالإيمان، فأما من سبق قضاء اللّه له بالكفر فلا ينتفع بهذه الدلالة ألبتة أصلا فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه واللّه تعالى أعلم.
(مسألة) في قوله تعالى:* وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) [الأنعام: الآية 141] .
في هذه الآية مسائل:
(المسألة الأولى) : اعلم أنه تعالى جعل مدار الآيات الشريفة على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر
وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول وانته الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل إلى إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال وهو الذي أنشأ جنات معروشات.
(واعلم) أنه سبق ذكر هذا الدليل في الآية السابقة وهي قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام: الآية 99] . إلى آخره فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع وهي الزرع والنخل وجنات من أعناب والزيتون والرمان وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها، لكن على خلاف ذلك الترتيب؛ لأنه ذكر العنب ثم النخل ثم الزرع ثم الزيتون ثم الرمان، وذكر في الآية المتقدمة مشتبها، وغير متشابه، وفي هذه الآية متشابها وغير متشابه ففي الآية المتقدمة مشتبها أي لنخيل مشتبه الأشجار والثمر في جميع أنواعه، وأيضا الكرم متشابه كالنخيل في جميع أشجاره وثمره وورقه، وفي هذه الآية متشابها أي ما يلحق بالكرم مشابها له في أجناسه كالقرنفل والخطمي والخبازى وغير ذلك، ثم ذكر في الآية المتقدمة (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه) ، فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم، وذكر في الآية: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) [الأنعام: الآية 141] فأذن في الانتفاع بها وأمر