كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 216
بصرف جزء منها إلى الفقراء، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين أنه هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم وهاهنا أذن في الانتفاع بها، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال على الصانع الحكيم مقدم على الأذن في الانتفاع بها؛ لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء، والأول أولى بالتقديم؛ فلهذا السبب قدم اللّه تعالى الأمر بالاستدلال بها على الأذن بالانتفاع بها.
(المسألة الثانية) : قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ) [الأنعام: الآية 141] . أي خلق،
يقال نشأ الشيء ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع، واللّه ينشئه إنشاء أي يظهره ويرفعه، وقوله: (جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ) [الأنعام: الآية 141] . يقال عرشت الكرم أعرشه عرشا وعرشته تعريشا إذا عطفت العيدان التي ترسل عليها قضبان الكرم واحدة عرش والجمع عروش ويقال عريش وجمعه عرش، واعترش العنب العريش اعتراشا إذا علاه، إذا عرفت هذا فنقول في قوله: (مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ) [الأنعام: الآية 141] . أقوال:
(الأول) : أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش بل يبقى على وجه الأرض منبسطا.
(الثاني) : المعروشات العنب الذي يجعل له عروش وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطا على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ وغير ذلك.
(الثالث) : المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه وهو الكرم مما يجري مجراه، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وذهابه علوا بقوة ساقه عن التعريش.
(الرابع) : المعروشات ما يحصل في البساتين والعمرنات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات مما أنبته اللّه تعالى وحشيا في البراري والجبال فهو غير معروش قوله: (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ) [الأنعام: الآية 141] . فسر ابن عباس- رضي اللّه عنهما- الزرع هاهنا بجميع الحبوب التي يقتات بها مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) [الأنعام: الآية 141] . أي لكل شيء منها طعم مخصوص غير طعم الآخر كما قدمنا، وقوله: (مُخْتَلِفًا) [الأنعام: الآية 141] .
نصب على الحال أي أنشأه في حال اختلاف أكله، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله، وأكل ثمره فالجواب أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه تعالى أنشأه قبل ذلك أيضا إنما نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان؛ لأن اختلاف أكله مقدر