كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 272
اعلم أن القوم قالوا لموسى- عليه السّلام- مهما أتيتنا بآية من ربك فهي عندنا من باب السحر، ونحن لا نؤمن بها ألبتة، وكان موسى- عليه السّلام- رجلا حديدا، فعند ذلك دعا عليهم، فاستجاب اللّه له فأرسل اللّه عليهم الطوفان الدائم ليلا ونهارا سبتا إلى سبت حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسا وقمرا، ولا يستطيع الخروج من داره، وجاءهم الغرق فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به، فأرسل إلى موسى عليه السّلام وقال: (اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك فأزال اللّه عنهم المطر، وأرسل الرياح فجفت الأرض، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط، فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر فلا واللّه لا نؤمن بك ولا ترسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد، فأرسل اللّه عليهم الجراد فأكل النبات، وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطى الشمس، ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعا فأكلت النبات، فصرخ أهل مصر فدعا، موسى- عليه السّلام- ربه فأرسل اللّه تعالى ريحا فاحتملت الجراد فألقته في البحر، فنظر أهل مصر إلى أن بقية من كلأهم وزرعهم تكفيهم فقالوا: هذا الذي يكفينا ولا نؤمن بك، فأرسل اللّه عليهم بعد ذلك القمل سبتا إلى سبت، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكلته، ولنبين لك هذين النوعين الجراد والقمل فنقول:
أما الجراد فلها فك معدة للمضغ وجناحاها العلويان رخوان وجناحاها السفليان منثنيان طولا على هيئة المروحة لا عرضا، وهي تشبه الحشرات ذوات الأجنحة الغمدية خصوصا بأعضاء مضغها لكنها تتميز عنها بسهولة، وذلك ببعض أوصاف واضحة جدا، منها أن جسمها رخو ويندر أن يكون صلبا قرنيا كحجم الذراريح، ومنها أن الجناحين الغمديين العلويين رقيقان لينان نصف شفافين متى تؤمل فيهما بين العين والضوء يرى أنهما محتويان على أعصاب كثيرة، ومتى كانا نائمين على جسم الحشرات تتصالب حافتهما الأنسية، والجناحان أعرض من الغمدين، وهما غشائيان منثنيان طولا كالمروحة هي تتميز عن ذات الأجنحة الغمدية أيضا بانقلابه وبكيفية نموها، فمتى خرجت حشرة صغيرة من البيضة تكون شبيهة بالحشرة التي تولدت منها ما عدا الأجنحة، ويزداد حجمها بواسطة جملة انقلابات متعاقبة أي تغيير الجلد وتظهر آثار الجناحين والغمدين قبل الانقلاب الأخير، وحينئذ تعتبر