كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 154
بهذا الإحساس المذكور فإنا لو لامسنا قطعة من الجلد مثلا ولامسنا جسما آخر أبرد منا لظهرت لنا سخونته؛ ولذلك يظهر لنا أن الأماكن المنخفضة حارة في الشتاء وباردة في الصيف لكونها حافظة لحرارتها بخلاف الهواء الخارج فإن حرارته تتغير، فإن قلت: كيف يظهر لنا سخونة الجسم الذي هو أقل حرارة؟ فنقول في الجواب عن ذلك، حيث إننا اعتدنا الانغمار في الهواء الذي هو أبرد منا ودائما جاذب لمقدار من حرارتنا: فالوظائف الحافظة لأجسامنا تعتاد تناقص جزء من حرارتنا، ومتى كانت درجة الحرارة في الهواء زائدة فالجزء المعتاد خروجه لا يخرج كله، والزائد منه الباقي في الجسم هو الذي بسببه نحس بالحرارة، فإذا يمكن أن نقول: إن الإحساس المستشعر به إما أن يكون بالبرودة، وإما أن يكون بالحرارة على حسب كون المقدار الخارج من الجسم أقل أو أكثر من المقدار المعتاد تناقصه منه بواسطة الهواء الذي اعتدنا المعيشة فيه، والموصلات الجيدة للحرارة هي الأجسام الكثيفة جدا، فالرخام والمعادن يظهر لنا أنها باردة جدا مع أنها ليست كذلك في الواقع وذلك لكونها تجذب الحرارة منا بسرعة، وكذلك الأجسام الملساء فإنه يظهر لنا أنها باردة؛ لأنها إذا كانت بهذه المثابة يلحق اللمس جميع أجزاء أسطحتها في آن واحد؛ ولأنها تصير أيضا جاذبة لحرارة ذلك الجذب، والتأثيرات الحاصلة للحواس المتجهة للمخ هي الينبوع الكلي للإدراك، وقد ذكر بعضهم أن ما تتجه إليه التأثيرات الحسية من المخ هو النخاع المستطيل لما ظهر له أن بينه وبين أعضاء الحس في النمو ارتباطا، وأن فيه تندغم الأعضاء الحسية إلا العصب الشمي والأعصاب الجلدية واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
«المقالة العشرون» في قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(78) [النّحل: الآية 78] . وفيه مسائل:
[المسألة الأولى في بيان معنى القراءة]
(الأولى) : قرأ حمزة والكسائي (أمهاتكم) بكسر الهمزة، والباقون بضمها، وأمهاتكم أصله أماتكم، إلا أنه زيد الهاء فيه كما زيد في أراق، فقيل: أهراق.
وشذت زيادتها في الواحدة، في قوله:(أمهتي خندق وإلياس أبي.
«المسألة الثانية» : [وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]
أشار تعالى إلى أن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء، كما قال:
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النّحل: الآية 78] . ثم تفضل عليه