كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 155
بأعظم وأكمل نعمة بخلق السمع والبصر والفؤاد فيه، كما قال: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النّحل: الآية 78] . والمعنى أن النفس الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله، فالله تعالى أعطاها هذه الحواس لتستفيد بها المعارف والعلوم. وتمام الكلام في هذا الباب يستدعي مزيد تقرير، فنقول: قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [النّحل: الآية 78] .
(اعلم) أن الأفئدة جمع فؤاد، وهي التي جعلها تعالى مراكز للحياة، فجعل سبحانه المخ وامتداداته ممدا بتأثيراته للقلب وأوعيته، وجعل بحكمته القلب وأوعيته ممدا للمخ وامتداداته عوضا عما تحلل منهما من التأثيرات الغريزية والجزئيات الجسمية، فجميع الإحساسات والتصورات والتركيب والتحليل جعله الحكيم القادر تحت استيلاء الأفئدة؛ لأن الأجسام العضوية مختصة بالحياة وتنقسم إلى نباتات وحيوانات فالنباتات، مع كونها مختصة بالبنية العضوية توجد فيها أصل الحياة المشتركة بينها وبين الحيوانات، فتجذب من الأرض والهواء الأصول المغذية لها وتنضجها حتى تصير مماثلة لها، ثم تنمو وتتوالد وينتهي أمرها بالموت غير أنها لا تحس بوجودها، ولا تلتذ ولا تتألم ولا تحصل لها حركات انتقالية، وأما الحيوان فله سوى البنية العضوية والقوة المشتركة بينه وبين النباتات أعضاء مخصوصة قائمة بتتميم وظائف وأفعال أخر بها تتمكن من تجهيز الأشياء المحتاجة هي إليها، فإن لها أعضاء نافعة في قبول التأثيرات الأجنبية وتوجيهها إلى مركز عمومي، وهي أوعية الهضم وأوعية الامتصاص والدورة الدموية، والمترأس على جميع هذه الأحشاء أوعية الثربية المسماة الآن بالضفائر الحشوية، ولها أعضاء أخر بدخولها تحت سلطنة الإرادة يمكن الجسم الانتقال من مكان إلى آخر، والجسم البشري منها يختص بجهاز حسي عظيم جدا ويفعل حركات كثيرة مختلفة؛ لأن النسر وإن كان ذا نظر حاد أكثر من نظر البشر، والكلب وإن كان ذا شم قوي أكثر من شمه، فليس مجموع حواسهما مثل مجموع حواسه في الإتقان، فإنا لو اعتبرنا أعضاء الحواس بالنظر إلى مجموعها لوجدنا الجسم البشري في الحقيقة أعدل الحيوانات كلها إحساسا؛ ولأن أغلب الحيوانات أعظم منه قوة، ومع هذا فلا يتأتى لفرد منها كائنا ما كان أن يفعل حركات عديدة مثل حركاته، وأيضا ليس لفرد منها حنجرة كثيرة التحرك يقتدر بها على إحداث أصوات مختلفة في الغناء والكلام والقراءة كحنجرته، وما ذكرناه في الجسم البشري وإن كان كافيا في تميزه عن غيره إلا أننا لو نظرنا لحساسته الفاضلة العظمى، أعني القوة العقلية التي صار بها واسطة بين الخالق وباقي المخلوقات، لكثرت مباينته له والوظائف المخية- أعني الحواس الباطنة- منشؤها من النفس التي هي مبدأ الإدراك، والتي طبيعتها