فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 181

لجده، وضربه معدود لحده، ولكن أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك، فيرى الناس بياض قلبي فوق سواد وجهي، فحسنت وأخذت بسيرة أبيك وأخذت بسيرة أبي، فرآني الخلق في صورة أبيك ورأوك في صورة أبي، فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي، فعملوا معك ما يعمل مع أبي وعملوا معي ما يعمل مع أبيك، ثم قال: قال اللّه تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) [الحجرات: الآية 13] . وفيه وجهان: (أحدهما) : أن المراد من يكون أتقى يكون عند اللّه أكرم، عند اللّه يكون أي التقوى تفيد الإكرام. (ثانيهما) : إن المراد أن من يكون أكرم عند اللّه يكون أتقى، أي الإكرام يورث التقوى، كما يقال: المخلصون على خطر عظيم. والأول أشهر والثاني أظهر؛ لأن المذكور ثانيا ينبغي أن يكون محمول على المذكور أولا في الظاهر، فيقال: الإكرام للتقي لكن ذو العموم في المشهور هو الأول يقال: ألذ الأطعمة أحلاها. أي اللذة بقدر الحلاوة، لا أن الحلاوة بقدر اللذة، وهي إثبات لكون التقوى متقدمة على كل فضيلة. (فإن قيل) : التقوى من الأعمال، والعمل بلا علم لا يفيد ولا شرف له فالعلم أشرف قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد» .

(فنقول) : التقوى ثمرة العلم، قال اللّه تعالى: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) [فاطر:

الآية 28]. فلا تقوى إلا لعالم أتم علمه، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمرة لها، لكن الشجرة المثمرة أشرف من الشجرة التي لا تثمر، بل هي حطب، وكذلك العالم الذي لا يتقي حصب جهنم، وأما العابد الذي يفضل اللّه عليه الفقيه فهو الذي لا علم له، وحينئذ لا يكون عنده من خشية اللّه نصاب كامل، ولعله يعبده مخافة الإلقاء في النار فهو كالمكره، أو لدخول الجنة فهو يعمل كالفاعل الذي له أجره ويرجع إلى بيته، والمتقي هو العالم بالله المواظب لبابه المقرب إلى جنابه عنده يبيت.

«المقالة السادسة والعشرون» في قوله تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ(22)[الرّوم: الآية 22].

اعلم أن اللّه تعالى لما بين دلائل الأنفس ذكر دلائل الآفاق، وأظهرها خلق السماوات والأرض، فإن بعض الكفار يقول في خلق البشر وغيره من المركبات، أنه بسبب ما في العناصر من الكيفيات، وما في السماوات من الحركات، وما فيها من الاتصالات الجاذبية فإذا قيل له: فالسماء والأرض لم تكن لامتزاج العناصر فلا يجد بدا من أن يقول: ذلك بقدرة اللّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت