كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 180
اعتبار الفرع، (فاعلم) أن النسب يعتبر بعد اعتبار العبادة كما أن الجعل شعوبا يتحقق بعد ما يتحقق الخلق، فإن كان فيكم عبادة تعتبر فيكم أنسابكم وإلا فلا. (الثاني) : قوله تعالى:
خَلَقْناكُمْ) [الأنعام: الآية 94] . وَجَعَلْناكُمْ) [الإسراء: الآية 6] . إشارة إلى عدم جواز الافتخار؛ لأن ذلك ليس بسعيكم ولا قدرة لكم على شيء من ذلك، فكيف تفتخرون بما لا مدخل لكم فيه؟ فإن قيل الهداية والضلالة كذلك لقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) [الإنسان: الآية 3] . وقوله: (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [البقرة: الآية 142] . فنقول أثبت اللّه تعالى لنا فيه كسبا مبنيا على فعل كما قال اللّه تعالى: (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا) [المزمّل: الآية 19] . ثم قال: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) [الإنسان: الآية 30] . وأما في النسب فلا.
(الثالث) : قوله تعالى: (لِتَعارَفُوا) [الحجرات: الآية 13] . إشارة على قياس خفي، وبيانه كأنه تعالى قال: إنكم جعلتم قبائل لتعارفوا، وأنتم إذا كنتم أقرب إلى شريف تفتخرون به فخلقتم لتعرفوا بكم، فإذا كنتم أقرب منه وهو أشرف الموجودات كان الأحق بالافتخار هناك من الكل الافتخار بذلك. (الرابع) : فيه إشارات إلى برهان يدل على أن الافتخار ليس بالإنسان، وذلك لأن القبائل تتعارف بسبب الانتساب إلى شخص، فإن كان ذلك الشخص شريفا صح الافتخار في ظنكم، وإن لم يكن شريفا لم يصح، فشرف ذلك الرجل الذي تفتخرون به هو بانتسابه إلى فصيلته، أو باكتسابه فصيلة، فإن كان بالانتساب لزم الانتهاء، وإن كان بالاكتساب فالدين والفقيه الكريم المحسن صار مثل من يفتخر به المفتخر، فكيف يفتخر بالأب وأبي الأب على من حصل له من الحظ والخير ما فضل به نفسه على ذلك الأب والجد اللهم إلا أن يجوز شرف الانتساب إلى رسول اللّه- صلّى اللّه تعالى عليه وسلم- فإن أحدا لا يقرب من الرسول بالفضيلة حتى يقول: أنا مثل أبيك. ولكن في هذا النسب أثبت النبي- صلّى اللّه تعالى عليه وسلم- الشرف لمن انتسب إليه بالاكتساب ونفاه عمن أراد الشرف بالانتساب فقال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» . وقال: ( «العلماء ورثة الأنبياء» .
أي لا نورث بالانتساب وإنما نورث بالاكتساب. (سمعت) أن بعض الشرفاء كان في النسب أقرب الناس إلى علي- رضي اللّه تعالى عنه- غير أنه كان فاسقا وكان هناك مولى أسود تقدم بالعلم والعمل ومال الناس إلى التبرك به والتعلم منه فاتفق أنه خرج يوما من بيته فاتبعه خلق كثير، فلقيه الشريف سكرانا وكان الناس يطردون الشريف ويبعدونه عن طريقه فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال يا أسود الحوافر والشوافر، يا كافر ابن كافر أنا ابن رسول اللّه أذل وتجل، وأذم وتكرم، وأهان وتعان، فهم الناس بضربه فقال الشيخ: لا هذا محتمل منه