كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 208
حمل كلامه على هذا لا سيما وإنه طاهر بإجماع المسلمين؛ لأنه بمحض خلق اللّه تعالى من غير معالجة أحد له، ومن غير تخمير بخلاف المثلث، وقد اتفق جمهور الأئمة على عدم جواز استعماله وعلى نجاسته، فهذه المنافع التي اقتضت جواز استعمال المثلث كما أنها موجودة فيه فهي موجودة في الذي يخرج من الطلع وزيادة، فإذا استعمل الإنسان بأمر الطبيب الثقة العدل مقدارا لإصلاح بدنه من غير أن يصل إلى حد الإسكار فهو مقدم على غيره قطعا، بل ويحمل كلام كل من قال بجواز استعمال الخمر تداويا على هذا لأن منافعه تزيد على منافع الخمر بإجماع كلام الأطباء على ذلك، فتأمل ذلك وتنبه له فإنه يحفظك من الزيغ والزلل، ويحرسك من الوقوع في المهالك والعلل، واللّه سبحانه وتعالى أعلم وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.
(الرابع) : أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة واحتج عليه بقول الشاعر:
جعلت أعراض الكرام سكرا ...
أي جعلت ذمهم طعاما لك قال الزجاج: هذا بالخمر أشبه منه بالطعام، والمعنى أنك جعلت تتخمر بأعراض الكرام يعني أنه جعل شغفه بغيبة الناس، وتمزيق أعراضهم جاريا مجرى شربه الخمر.
(اعلم) أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه وتعديد للنعم من وجه آخر قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرّعد: الآية 4] . والمعنى أن من كان عاقلا علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا اللّه سبحانه وتعالى.
(قوله مشتبها) . أي أنه تعالى أودع هيئة بعض النباتات صفة خاصة تتوافق مع بنيتها الباطنية، فيظهر أنه أراد تعالى إضاءة عقل المتذكر بالنبات في البحث عن الارتباطات التي توجد بين جميع النباتات، فهناك توجد عدة من نباتات توجد بينها مشابهة في البنية وفي شكل أجزائها، حتى أن هذه المشابهة تعرف وتعتبر وتنسب إلى فصيلة واحدة، فالحكمة الربانية أرادت ذلك لأجل تكثير النبات، ومن معرفة ذلك يستدل على معرفة صنع الحكيم الواحد القادر، فمثال المتشابهات الطائفة النجيلية التي منها القمح والشعير والذرة والقصب الفارسي وقصب السكر وما أشبه ذلك، وأيضا من المتشابهات الطائفة الريحانة المسماة بالشفوية التي منها الريحان والمريمية وإكليل الجبل والنعناع والزعتر، وما أشبه ذلك، وكالطائفة البرتقالية التي منها الليمون بأنواعه والبرتقال والكباد والأترج والبلغموت وما أشبه ذلك، وكل من