كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 11
قرونا عديدة، ورأى من يشبه الرسوبات الفحمية ب «التورب» يعضد ببقايا النباتات الخفية الظهر الخلوية العديدة التي تكشف بالمنظار المعظم في الفحم الحجري وفي «التورب» ويعضد أيضا بالأشجار المنغرسة بجذورها في الأرض، وبأوراقها المحفوظة في الشست الفحمي، وبوجودها في أحواض مختلفة الاتساع منفصلة عن بعضها، فهذه الأحوال كلها تدل على أماكن ذات مستنقعات متكونة في حفر أرض مكشوفة، وبها يرفض القول بأن الأشجار حملتها مياه الأنهار أو مياه البحار.
وفيه أمور:
الأمر الأول: في مدة تكون الأرض:
اعلم أن الأرض قد كانت مسطحة ولا جبال بها، وكانت مغمورة بالمياه، وهذه الأرض يوجد فيها بعض أنواع من النباتات، وأشكال النباتات الخاصة بالمدة المذكورة كانت تخالف أشكال النباتات المنسوبة إلى زماننا هذا، فكانت من فصيلة الأشنة وفصيلة الكبريت النباتي، وهي نباتات بسيطة التركيب خفية الزهر، لكنها كانت في ابتداء الخلقة أكبر حجما وأكثر عددا، وهذه النباتات تكونت منها الأرض الفحمية، وهذا الجوهر القابل للاحتراق متحصل من النباتات التي كانت في الزمن القديم قبل تكون الحيوانات، فلما اندفنت تحت سمك عظيم من الأرض بسبب تكوّن الجبال، بقيت إلى زماننا هذا بعد أن تنوّعت طبيعتها وهيئتها، ولما فقدت بعض عناصرها، استحالت إلى فحم مشرب بمواد قارية وقطرانية هي متحصل التحليل البطيء الذي حصل في الموادّ النباتية، فعلم أن الفحم الحجري الذي يستعمل في المطابخ والتنانير والآلات البخارية ونحو ذلك ويستحضر منه غاز «الاستصباح» ليس إلا مادة النباتات التي تتكون منها الغابات، وكانت تنبت في المستنقعات في قديم الزمن، والوصف الرئيسي للمدّة الفحمية هو عظم نحو النباتات التي كانت تغطي الكرة الأرضية بتمامها؛ لأن الجو كان ذا حرارة قوية ورطوبة كثيرة، فالأجناس التي تنسب إليها نباتات المدة الفحمية لا تعيش الآن إلا في البلاد الحارة، وهذه النباتات الحفرية نموها العظيم يدل على أن الجو كان متشعبا بالرطوبة، وكانت درجة الحرارة واحدة في جميع العروض، فكان نمو النباتات التي تكوّن منها الفحم الحجري واحد في جميع نقط الأرض، وحيث علم بالمشاهدة أن الأنواع النباتية التي فنيت كانت درجة نموها واحدة وأنها كانت في دائرة الاستواء، وفي الدائرة القطبية، يستنتج أن درجة الحرارة كانت واحدة في جميع الجهات في الزمن المذكور الذي هو الثالث