فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 198

ذلك من الأسباب الخارجة، ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى وما سبب آجالكم، وفي رواية موتكم لقالوا التخمة (الثاني) : أن المرض إنما يحدث باستيلاء بعض الأخلاط على الجوامد، وذلك الاستيلاء إنما يحصل بسبب ما بينها من التنافر الطبيعي أي مشاركة الأعضاء، أما الصحة فهي إنما تحصل عند بقاء الجوامد على اعتدالها وبقاؤها على اعتدالها إنما يكون بسبب قاهر يقهرها على العود إلى الاجتماع، وعودها إلى الصحة إنما يكون أيضا بسبب قاهر يقهرها على العود إلى الاجتماع والاعتدال بعد أن كانت بطباعها مشتاقة إلى التفرق والنزاع؛ فلهذا السبب أضاف الشفاء إليه سبحانه وتعالى، وما أضاف المرض إليه (الثالث) : هو أن الشفاء محبوب، وهو من أصول النعم، والمرض مكروه، وليس من النعم، وكان مقصود إبراهيم عليه السّلام تعديد النعم، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إليه تعالى فإن نقضته بالإماتة فجوابه أن الموت ليس بضررا؛ لأن شرط كونه ضررا وقوع الإحساس به، وحال حصول الموت لا يقع الإحساس إنما الضرر في مقدماته، وذلك هو عين المرض، وأيضا فإنك قد عرفت أن الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر، وخلاصها عنها عين السعادة بخلاف المرض.

«المقالة الخامسة والثلاثون» في قوله تعالى:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[الأعراف: الآية 31]

اعلم أن قوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا) [البقرة: الآية 60] . أي مما طاب لكم، روى أن بني عامر كانوا في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فهمّ المسلمون بمثله فنزلت قوله: (وَلا تُسْرِفُوا) [الأنعام: الآية 141] . أي بتحريم الحلال، أو بالتعدي إلى الحرام، أو بالإفراط في الطعام والشره عليه مما يسبب الأمراض، وعن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- كل ما شئت لكن صغر لقمتك، وطوّل مضغتك، ولا تدخل طعاما، قبل هضم طعام والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، وقال علي بن الحسين: وقد جمع اللّه تعالى الطب في نصف آية، فقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) [الأعراف: الآية 31] . إنه لا يحب المسرفين أي لا يرتضي فعلهم من الإسراف في المأكل والمشرب، ودخول الطعام على الطعام لما فيه من تلبك الهضم، وسير المواد لتعريض النقص من البدن، وفيه مباحث:

«المبحث الأول في تناول الأطعمة» :

تناول الأطعمة يكون بتوجيهها إلى الفم، وإدخالها في تجويفه فتستقصيها حاسة الذوق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت