كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 21
حككته عليه، والذي يخرج من بينهما مأخوذ يقال له: السنن. وسمي المسن مسنا؛ لأن الحديد يسن عليه.
(السابع) : قال الزجاج: هذا اللفظ مأخوذ من كون المسنون بمعنى الموضوع على سنن الطريق؛ لأنه متى كان كذلك، فلا بدّ أن يتغير تغيرا ما.
(الثامن) : قال أبو عبيدة: المسنون المصوب، يقال: سن الماء على وجهه إذا صبه.
(التاسع) : قال سيبويه: المسنون الطين الرطب. وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة؛ لأنه إذا كان رطبا يسيل، وينبسط على الأرض فيكون مسنونا، أي مصبوبا، ثم حوّله اللّه تعالى إلى جوهر آخر، كما تقدم تفسيره موضحا.
«المقالة الخامسة» في كيفية استجماع البشر على القوة البهيمية والسبعية والكلبية، وفيها سوالات
أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر؛ وذلك لأن إبليس إنما وقع فيما وقع فيه؛ بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمّدا صلّى اللّه تعالى عليه وسلم، بسبب الحسد والكبر أيضا، فالله تعالى ذكر هذه القصة هاهنا ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين، والحاصل أنه تعالى رغب المكلفين في النظر والاستدلال، ومنعهم عن الإصرار والتقليد، وذكر في تقرير هذا النظر أمور ثلاثة:
(أوّلها) : أنه نبأ عظيم، فيجب النظر والتأمل فيه مع الاحتياط؛ لأجل الاستدلال.
(والثاني) : وأن قضية سؤال الملائكة عن الحكمة في تخليق البشر، يدل على أن الحكمة الأصلية في تخليق آدم هي المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر. (والثالث) : إن إبليس إنما خاصم آدم- عليه السّلام- لأجل الحسد والكبر، فيجب على العاقل أن يحترز عنهما، فهذا هو حسن النظم في هذه الآيات.
[في السؤال الأول والثاني والثالث عن الملائكة وأجوبتها]
(أسئلة) : الأوّل: أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر، لا من الطين كما إذا قيل: إن متّخذ سوار من ذهب، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من فضة أو من غيرها.
(الثاني) : ذكر هاهنا أنه خلق البشر من طين، وفي سائر الآيات ذكر أنه خلقه من غيره، كقوله تعالى: (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) [آل عمران: الآية 59] . وكقوله: (مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [الحجر: الآية 26] .