كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 154
يَتَفَكَّرُونَ) [النّحل: الآية 11] . قوله: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) [الرّعد: الآية 3] . خلق لنا تعالى جميع الثمرات، وجعل تعالى في كل ثمرة خواص ومنافع؛ لأننا نرى إذا تولد العنب كان قشر على طبع وعجمه على طبع ثان، ولحمه على طبع ثالث، وماؤه على طبع رابع، ويتولد من مجموع أملاح منوعة، ويتولد من كل واحد على مفرد نتائج ملحية وغيرها، وإنا نرى أيضا في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة، والوجه الثاني من تلك الورقة في غاية الحمرة، وتلك الورقة تكون في غاية الرقة واللطافة، ونعلم بالضرورة أن نسبة الأنجم والأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة واللطافة، نسبة واحدة والطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلا واحد، ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابها، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، وأيضا إذا وضعنا الشمع فإذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد الجوانب وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب؛ لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب، إذا ثبت هذا فنقول ظهر أن نسبة الشمس والقمر والأنجم والأفلاك والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة، وثبت أن الطبيعة المؤثرة متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابها، وثبت أن الأثر غير متشابهة؛ لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية الصفرة والجانب الثاني في غاية الحمرة، فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات والأكوان والأحوال ليس هو الطبيعة بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار الحكيم، وهذا هو المراد.
(واعلم) أنه لما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة يجب أن يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة، فلما دل الحس في هذه الأجسام النباتية على اختلاف جذورها وسوقها وأوراقها وصفاتها وثمارها المختلفة الألوان والأشكال والطعوم ظهر أن المؤثر فيها ليس موجبا بالذات، بل فاعلا مختار فهذا تمام تقرير الدلائل على سؤال تعاقب الفصول الأربعة على النبات.
والمراد أنه تعالى إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقا لنا كقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ) [البقرة: الآية 22] . قال قوم: إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين؛ لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجلب أن يتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب، فالمنافع