كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 3
الجزء الأول
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
حمدا وشكرا لمن أبدع الكائنات الآلية، ووقر في نفوسنا من المعارف ما يخلصنا من الآفات الظلمانية والشهوانية، وركز في عقولنا من نور اليقين ما نستخرج به ما أودع في مواد الكائنات من أسرار المولدات التي هي: الحيوانان، والمعدن، والنبات، حيث اخترع لها على مثال سابق صور موجوداتها وأتقن نظامها بكمياتها وكيفياتها ونوع أجناس أمزجتها على حسب التركيب والاختصاص، وزين جواهرها بالأعراض ومجموع ذلك بالخواص، وجعل عناصرهم محلا تتوارد عليه أحكام الكون من الصحة والفساد، فحصل من اختلاف تلك العناصر وامتزاجاتها أنواع المواليد على حسب القابلية والاستعداد، وأبرز من أعدل تراكيبها مزاج الإنسان الذي أتقن تكوينه وتصويره، وأبدع خلقه وأحسن تدبيره، وأرشده لحسن النظر في ارتباط مؤثرات تلك المواد بها، حتى تيقن أن ذلك من ارتباط المسببات بأسبابها، فكان ذلك عند الإنسان أدل دليل على وحدانية مخترعها، كما أن موافقة جزئياتها لكلياتها أعظم شاهد على تعلق علمه وإرادته بها، وصلاة وسلاما على المختار من أشرف العناصر القدسية، والمرشد إلى مناهج الحق وطرق الرشاد المرضية، والشافي وجوده لنا من الداء العضال، والكاشف عنا نوره ظلم الطغيان والضلال، وعلى آله وأصحابه الذين انتصبوا لإرشاد الأمة فكانوا سببا لفوزهم بالنجاح، وأبرؤوا بلطيف علاجهم علل الأجساد والأرواح، وأدركوا بسليم نظرهم خفايا آلام النفس وأعراضها، فوصلوا بصفاء أفكارهم إلى تخليصها من أمراضها، وعلى أهله وأشياعه وأنصاره ما تواردت أسباب العلل والأدواء على الأجسام، واحتيج لمعالجاتها بالأدوية الشافية المبرئة من الأسقام، «وبعد» :
فيقول المتوكل على الواحد الأحد الصمداني محمد بن أحمد الإسكندراني: إن أحق الناس بالفضل من سعى في تحصيل العلوم بهمة أمضى من السيوف البواتر، وأيقظ لتدوينها في ظلم الليالي أجفانه والنواظر، حتى عد في زمرة العلماء الأنجاب، واستكشف مخدراتها سافرة النقاب، كيف لا والمعارف ممالك، يستولى عليها ملاكها، والعلوم بروج تدور عليها أفلاكها، ولا سيما علم التفسير الذي به يرد التوحيد على الإنسان، وهو موضوع لمعرفة الحكمة والأديان، وشرف العلوم بشرف موضوعاتها ووثاقة بنيانها بجدوى غاياتها، فما كان موضوعه أشرف، كان أعظم غاية وأرفع مكانة وأكثر عناية، فموضوع علم التفسير كلام اللّه تعالى الذي يتوصل به إلى معرفة الأجرام السماوية والأرضية والمولدات الثلاثة والتوحيد والأحكام الشرعية، وغايته معرفة جميع الأحكام المستنبطة من الآيات الشريفة القرآنية،