كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 285
اعلم أن سليمان عليه السّلام لما تفقد الطير أوهم ذلك أنه إنما تفقده لأمر يختص به ذلك الطير، واختلفوا فيما لأجله تفقده على وجوه:
(أحدها) : قول وهب إنه أخل بالنوبة التي كانت ينوبها فلذلك تفقده.
(وثانيها) : أنه تفقد لمقاييس الماء التي كانت إليه، وكان يعرف الفصل بين قريبه وبعيده فلحاجة سليمان إلى ذلك طلبه وتفقده.
(وثالثها) : أنه كان يظله من الشمس فلما فقد ذلك تفقده، أما قوله: (فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ) [النّمل: الآية 20] . فأم هي المنقطعة، نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال: مالي لا أرى الهدهد. على معنى أنه لا يراه، وهو حاضر لسائر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فاضرب عن ذلك، وأخذ يقول أهو غائب كأنه يسأله عن صحة ما، لاح له ومثله قوله: (إنها الإبل أم شاء.
وأما قوله: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ(21) [النّمل:
الآية 21]. لا يجوز أن يقوله إلا فيمن هو مكلف أو فيمن قارب العقل، فيصلح؛ لأن يؤدب فلعله كان ذلك شرعه، ثم اختلفوا في قوله: (لَأُعَذِّبَنَّهُ) [النّمل: الآية 21] . فقال ابن عباس: إنه نتف الريش والإلقاء في الشمس. وقيل: أن يطلي بالقطران ويشمس. وقيل: إن يلقي للنمل فتأكله. قيل: إيداعه القفص. وقيل: التفريق بينه وبين إلفه. وقيل: لألزمنه صحبة الأضداد. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد. وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.
وأما قوله: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) [النّمل: الآية 22] . فقد قرئ بفتح الكاف وضمها غَيْرَ بَعِيدٍ) [النّمل: الآية 22] . أي غير زمان بعيد. كقولك: عن قريب. ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان، وليعلم كيف كان الطير مسخرا له.
وأما قوله: (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ) [النّمل: الآية 22] . ففيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى خلق اللّه تعالى من أحاط علما بما لم يحط به، فيكون ذلك لطفلة في ترك الإعجاب، والإحاطة بالشيء علما: أن يعلم من جهاته بأجمعها.