كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 318
وشكل جديد، وهذه الكرة الهوائية ليست قوية الكثافة حتى تمنع انكسار الأضواء، وهذه الكرة الجوية لها أظلال متداخلة في الأضواء؛ فلهذا لم يوجد في الكون خلو مطلق فيما وراء ذلك، فلا بد وأن يكون الهواء متخلخلا، وهذا التخلخل يأخذ في الزيادة حتى يصل إلى الحمل الذي تنتهي إليه قوة الجذب، فإذا ليس هناك خلاء تام فيما بين الأفلاك، فلذلك هناك أظلال متداخلة، فتتمايل على حسب تحرك الأفلاك:
(منها) : أنا نشاهد أن تلك الأضواء وأظلالها لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبيره تعالى، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت الأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعا وارتفاعا ازدادت تلك الأظلال تقلصا وانتفاخا إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس وسط الفلك فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي، وكلما ازدادت الشمس انحدارا ازدادت الأظلال تمددا وتزيدا في الجانب الشرقي، وكما نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة بسبب اختلاف أحوال ضوء الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين علمنا أنها منقادة لقدرة اللّه تعالى:
(المسألة الثالثة) :
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال اختلاف حال الظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم لا لأجل تقدير اللّه تعالى: (قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركا لذاته إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة لبقي: هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لا متنع حصول الجزء الآخر من الحركة، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكونا لا حركة، فالقول: بأن الجسم متحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكنا لذاته وهو محال، وما أدى ثبوته إلى نفيه كان باطلا، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركا لذاته، ولذلك أن الأجسام تثقل ويجذب بعضها بعضا على طريقة النسبة المطردة للكتل والنسب المتعاكسة لمربع المسافات؛ إذ لو فرضنا زوال التثاقل العمومي من الجو فإنه يتشتت في الفضاء، وتتصاعد مياه الأرض، ولا يحصل بين أجزاء الأجرام الصلبة وبعضها التصاق ولا تماسك، وجميع الأشياء ينخرم انتظامها وتختلط ببعضها فيرجع العالم إلى اختلاله الأصلي حتى تتعلق القدرة الإلهية بخلق عالم جديد، فتصنع مراكز تثاقل جديد تنجذب المواد إليها،