كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 311
(الأول) : أن المراد منهما الأمران المحسوسان بحس البصر، والذي يقوي ذلك أن اللفظ وحفظه فيهما، وأيضا هذان الأمران إذا جعلا مقرونين بذكر السماوات الأرض، فإنه لا يفهم منهما هاتان الكيفيتان المحسوستان.
(والثاني) : نقل الزمخشري «2» عن كعب الأحبار أنه قال: الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)[الأنعام:
الآية 1]. أي كقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) [النّور: الآية 39] .
(اعلم) أنه سبحانه وتعالى خلق جوهرة ونظر إليها بعين الهيبة فسالت سيلانا شفافا فكانت منه الأرض، فتراءى كالسراب، فضرب اللّه به مثلا بين المؤمن والكافر، والبقيعة: البقعة التي اختارها اللّه تعالى لها، والكناية للسراب؛ لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة الموجودة في جو السراب كأنه ضباب وهباء، فكأن السراب ما كان محيطا من الفراغ، وما كان من الضباب والهباء كان السائل، فبعد مكثه الزمن الذي أراده اللّه تعالى صار ماء كبحر مظلم لجي، كقوله تعالى: (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) [النّور: الآية 40] .
فذكر تعالى ثلاثى أنواع من الظلمات، ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب، فأول ما تصاعد بخارا لارتفاع الحرارة، ثم تكاثف سحابا فسقط مطرا، وهكذا حتى تكونت الأرض بإرادته.
؛ لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم النور على الجسم الذي من شأنه قبول النور، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضاد، للنور، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج، وجلس إنسان آخر بالبعد منه، فإن البعيد يرى القريب، ويرى ذلك الهواء صافيا مضيئا، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد، ويرى ذلك الهواء مظلما، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين.
وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية، وإذا ثبت هذا
(2) قوله: (نقل الزمخشري ... إلخ. قد اطلعنا على الكشاف فلم نجد فيه هذه العبارة، ولعلها في كتاب آخر له. اه.