كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 164
الآخر، ففي هذه الحالة تتحرك جميع أجزاء الحنجرة المختلفة بأسرها، ففي الأصوات الدقيقة ترتفع الحنجرة مع توتر الأوتار الصوتية وتقاربها، بعضها، وفي الأصوات الغليظة يحصل عكس ذلك، ثم إن كلا من قوة الصوت وضعفه ناشئ عن كمية الهواء الخارج من الرئتين، وعن درجة قوة الأعضاء النافعة في التنفس، والصوت لا يخرج من الفم على الحالة التي يكون بها في الحنجرة، بل يتنوع كثيرا فيصير أشد قوة ورنانية عند اجتيازه في الفم والحفر الأنفية بسبب التجمعات والانعكاسات الحاصلتين له في هذه الحالة، واعلم أن الكلام هو الصوت الملفوظ المتنوع بفعل أعضاء الفم المختلفة التي هي الحلق والأنف، واللسان هو العضو الرئيس لهذه الوظيفة، ومع ذلك فالشفتان والأسنان واللهاة وسقف الحنك والحفر الأنفية وغير ذلك كلها معينة على تكوين الكلام ولفظ الحروف، والصوتية والكلام خاص بالإنسان فقط، والكلمات المؤلفة له مستمرة في الذهن، وبالكلام تتسع دائرة ما يتعلق به الإنسان من المعاشرات، ويزداد عقله وتكثر معارفه، ومن تنوعات الصوت الظاهرة تصدر الحروف التي ميزها عن بعضها معلمو العربية بالمتحركة والساكنة، والحروف المتحركة ليست إلا رنات صوتية تتنوع تنوعا لطيفا حال اجتيازها من الحنك، فحرف الألف مثلا وهو الهمزة الذي هو حرف متحرك يظهر أنه بسيط جدا؛ لأن في لفظه يتباعد الصوت الناشئ في الحنجرة عن الحلق قليلا وأما الحروف الساكنة فتحتاج لمساعدة مقدار عظيم من أجزاء الأعضاء المكونة لها، فلذلك سميت بالشفوية واللسانية والأنفية والحلقية وغير ذلك، وأما الغناء فهو نغمات تشتمل على الحال مختلفة تحصل للصوت حال تكوينه، والإنسان فقط هو الذي يمكنه أن يشركها بكلامه ولا يفعلها إلا إظهارا لأفكاره وتعبير عن اشتياقاته.
اعلم أنا إن حملنا النفس على الجسد فتسويتها تعديل أعضائها على ما يشهد به علم التشريح الذي لو وضعناه وبيناه هنا لطال بنا المقام وكثر الكلام، وإن حملناها على القوة المدبرة فتسويتها إعطاؤها القوى الكثيرة كالقوة السامعة والباصرة والمخيلة والمفكرة والمذكرة على ما يشهد به ما تقدم، فإن قيل: لم نكرت النفس؟
[اقوال المفسرين وفيه وجهان]
قلنا: فيه وجهان:
[أحدهما النفس القدسية النبوية]
(أحدهما) : أن يريد به نفسا خاصة من بين النفوس وهي النفس القدسية النبوية؛ وذلك لأن كل كثرة فلا بد فيها من واحد يكون هو الرئيس، فالمركبات جنس تحته أنواع؛ فمثلا رتبة المعادن رئيسها